كثيرة هي الكتب التي تناولت تاريخ الكنيسة في علاقتها مع المجتمعات الغربية ابان القرون الوسطى و كيف كان لهذه الكنيسة اليد الطولى في تجهيل المجتمع و استغلال الطبقة الكادحة التي وقعت بين مطرقة الكهنوت و سندان أرباب الأراضي و الأموال ناهيك عن الطبقة الحاكمة. هذه العلاقة المتأزمة اذا بين كنيسة كانت تكنز الذهب و الفضة على حساب شعوب مقهورة لم تظفر الا بصكوك غفران مدفوعة الأجر، لطالما استدعت اجراء مقاربة بينها و بين ما زخر به التاريخ الاسلامي على مر العصور و كيف أن هذا الدين جاء لتحرير الانسان و انارة بصيرته بفضل علماء أدوا الأمانة و بلغوا الرسالة على أحسن وجه و حفظوا لنا هذا الدين بعد الله سبحانه.

 فصل الدين عن الدولة كان له أكثر من مبرر في المجتمع الغربي بالنظر الى ما اقترفته الكنيسة باسم الدين.بينما كان و لا يزال من الصعب تصور أن يظل رجل الدين عندنا بعيدا عن هموم أمته لأن العلاقة بينه و بين الناس لم تكن لتقارن بعلاقة الرجل الغربي بكنيسته ولأن الاسلام دين و دنيا.لكن و نحن نعيش هذه الأيام الصعبة في وطننا العربي من ثورات و اضطرابات تستوقفنا مواقف بعض علماء أمتنا مما جرى و يجري من أحداث.

و لطالما حاولنا ان نفهم ما الذي يحمل شيخا أو داعية ما على اتخاذ موقف معين من حدث ما صغر أو كبر شأنه. لأن الهالة التي تحيط بالعلماء و الدعاة والاحترام الذي يحظون به عند الكثيرين يجعلان للكلمة التي يتفوهون بها كبير الاثر عند الناس. يعز علينا ما نشاهده من اصطفاف مذهبي و طائفي في زمن نحن أحوج ما نكون فيه الى الوحدة والى أن يكون فيه رجل الدين لا يخاف في الله لومة لائم بدل الامتثال الى رغبة حاكم او الى شهوة سلطان.

كتب على شعوبنا العربية و الاسلامية نوعان من رجال الدين:نوع لم يحد عما سمي مجازا بفقه دورات المياه: أي القدمين يجب ان تطأ الاولى دورة المياه اليمنى أم اليسرى؟

و كيف على المرأة ان تطيع زوجها مهما كان سلوك هذا الزوج و هل هو أصلا أهل للطاعة بل للقوامة أحيانا؟خطاب يهدد كل عاص بالويل و الثبور وعظائم الأمور و بعيد كل البعد عن هموم الأمة و مآسيها التي جرها عليها الاستعمار و من تسلطوا على رقاب العباد بعد ذلك.

أما النوع الثاني من رجال الدين فهو كل من سار في فلك أهل الحكم، يسكتون عن الظلم بل و يجدون له أحيانا القاعدة الشرعية. و لمن خانته الذاكرة مجموعة من الأمثلة عن أحداث قريبة عهد بنا.

 الجميع يتذكر ما نسب لفضيلة الامام الأكبر محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر رحمه الله من تصريحات و مواقف فيما يتعلق ببعض الأحداث التي ألمت بالأمة العربية و الاسلامية.ألم يستقبل الامام محمد سيد طنطاوي عوفاديا يوسف حاخام اليهود الشرقيين الذى وصف العرب بأنهم أفاع و أن الله عز و جل "أخطأ" حين خلق بني اسماعيل.

 لقاء شيخ الأزهر بعوفاديا يوسف كان عام 1996 و هي سنة عناقيد الغضب التي حصدت أرواح أطفال قانا.عوفاديا يوسف الذى نصح آنذاك أعضاء حزب شاس و مؤيديه بألا ينتخبوا رئيس حكومة علماني يعني بهذا شمعون بيريز مهندس مجزرة قانا و الحائز على جائزة نوبل للسلام. و كان لنصيحة الحاخام الفضل في مجيىء بنيامين نتنياهو الى السلطة في اسرائيل.

و خرج علينا شيخ الأزهر مرة اخرى بتصريحاته المثيرة للجدل عن معنى الجهاد في الاسلام ابان الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 . أتبعها بما قاله عن منع فرنسا للحجاب في المدارس عندما التقى وزيرالداخلية الفرنسي آنذاك و الرئيس الحالي نيكولا ساركوزي. حيث صرح حينها أن لكل بلد الحق في سن القوانين التي يراها مناسبة مما فسر على أنه مباركة للتشريع للفرنسي الجديد.

أما الموقف الذي ذهب بما تبقى من ماء الوجه فكان الانتخابات البرلمانية المصرية عام 2005 التي سبقتها دعوات بمقاطعتها فما كان من النظام الا أن يستعين بالامام محمد سيد طنطاوي لدعوة المصريين الى صناديق الاقتراع. و كانت القاعدة الشرعية جاهزة، وهي أن المقاطعة اثم لأنها كتمان للشهادةلاحظ في ظل أي نظام كانت مصر تعيش. و كيف تحول الأزهر ذلك الصرح العظيم للاسلام الوسطي و دخل في لعبة السياسة. و أين الأمة من مؤسسة الأزهر الشريف الذى ذاد عن الحق عبر العصور و وقف في وجه خيول نابليون بونابرت حين غزا مصر.

 بل أين نحن من عصر الامامين محمود شلتوت الذي انتصر للحق في مواجهة الملك فؤاد مع الامام المراغي و الشيخ عبد الحليم محمود الذي رفض التوقيع للسادات على صك على بياض حينما طلب منه اصدار بيان باسم الأزهر لتأييد زيارة السادات للقدس.و مثل الامام محمد سيد طنطاوي رحمه الله كثيرون في هذا الزمن. فمن لا يتذكر المسوغات الفقهية التي جادت بها قريحة بعض المشايخ حين أجازوا الاستعانة بالأجنبي على الأراضي المقدسة في حرب الخليج الثانية. و من لا يتذكر تحريمهم للدعاء بالنصر لحزب الله على اسرائيل في حرب تموز عام 2006. و كيف تم الامتثال لأوامر البيت الأبيض بتغيير المناهج التعليمية لأنها "مفرخة للارهاب".

لكن الآن و المنطقة العربية تنوء تحت وطأة الثورات و الاضطرابات، و مع ضبابية كل مل يجري و استحالة التنبؤ بما هو آت، لا نملك الا مناشدة الدعاة أن يتقوا الله في هذه الأمة. كيف يمكن تقبل مواقف الشيخ يوسف القرضاوي وهو يسكت عن تدخل الناتو في ليبيا وان كان يحكمها نظام متسلط و متخلف. لأن الثورة التي تتحقق بطائرات الأجنبي ليست بثورة. الشيخ القرضاوي بارك للشعب اليمني انتخاب رئيسه الجديد و مرشحه الوحيد الذي خرج من عباءة النظام و بنسبة تسعين في المئة.

 الداعية الجليل استذكر عبارة اليمن السعيد في خطبة الجمعة. فهل يؤمن فعلا أن اليمن سعيد الآن ؟ألم يسمع عن نصف مكاتب الاقتراع التي أغلقت بالقوة وعن التفجيرات التي صاحبت الانتخابات. ألم يسمع عن الحراك الجنوبي الذي لا يريد عن الانفصال بديلا؟ لم لم يطالب الشيخ القرضاوي بمحاكمة الرئيس علي عبد الله الصالح الذي تغول على الشعب اليمني بفساده و تسلطه طيلة ثلاثة عقود، و حصنته المبادرة الخليجيةلم لم يدع العلامة يوسف القرضاوي في خطبته دول مجلس التعاون الخليجي بما فيها دولة قطر التي يعيش في كنفها بضم "اليمن السعيد" الى مجلسها بدل المغرب و الأردن، أليس الأقربون أولى بالمعروف؟

 ألا يستحق اليمنيون أن يرفلوا و لو قليلا في فتات نعيم مجلس التعاون علهم ينسون دعوات الانفصال. أم أنهم يستحقون فقط ان تبتلى بناتهم ب"زواج المصياف".

و في هذا اسألوا أهل الخليج ان كنتم لا تعلمون.بينما كان الشيخ القرضاوي يلقي خطبته في مسجد عمر بن الخطاب بالدوحة، كانت المواجهات مندلعة بين المرابطين في المسجد الأقصى و بين جحافل المستوطنين و الجنود الاسرائيليين . ألم تصله الأخبار أم أن ساسة البلد يعملون بقول الآية الكريمة عن فرعون " ما أريكم الا ما أرى" فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي ،صحيح أن شريحة كبيرة من الشباب في الوطن العربي تربت على خطبك و توجيهاتك لكن أظنه شب عن الطوق. لأنك و أنت تتحدث عن سوريا المكلومة و تدعو للتظاهر أمام السفارة الروسية بالدوحة ضد نظام بشار الأسد و الى طرد السفير السوري، لم تتحدث عن رأيك في مقتل أكثر من ألفي رجل أمن سوري مثلهم مثل المدنيين العزل الذين يقتلون على الهوية باسم طائفية مقيتة.

لم يقل الشيخ القرضاوي لمن حضروا صلاة الجمعة و خطبتيها ما هو رأيه في مؤتمر أصدقاء سوريا و كيف تستقيم ثورة تساندها أميركا و بريطانيا و فرنسا و مشيخات و ممالك لم تعرف يوما شكل صندوق اقتراع أو فرز صوت واحد. و كيف يهب العالم لانقاذ الشعب السوري من بطش النظام بينما هناك شعب حرم حق الحياة الكريمة منذ عشرات السنين وعلى يد نفس الدول التي تتباكى على الشام و أهلها.هذه الدول التي استنفرت و توعدت وأزبدت لكي يتم الافراج عن الجندي جلعاد شاليط و لا يرف لها جفن ، عذرا لفؤاد السنيورة، بينما آلاف الفلسطينيين يقبعون في غياهب السجون الاسرائيلية بما فيهم نواب و أطفال و نساء.

الدم ينزف في سوريا و كلهم أهلنا و لا يمكن لأحد أن يدعي أن الحكومة السورية لم ترتكب أخطاء أو خطايا اذا شئت. سيدي كنا نتمنى لو أنك شددت الرحال الى دمشق كما فعلت يوم ذهبت الى أفغانستان للتوسط لدى طالبان حتى لا يفجروا تماثيل بوذا. ألا يستحق السوريون منك أن تحاول اصلاح ذات البين أم أن تماثيل بوذا أهم لأن أمريكا و أوروبا اصطفتا لانقاذها؟

 

سامية مباركي