وينتظر وصول أربعة عشر زعيما عربيا الى عاصمة الرشيد في ظل استنفار أمني وامكانيات مادية قدرت بثلاثمئة مليون دولار. ومن المتوقع أن يحضر نحو ألف وخمسمئة مراسل صحفي لتغطية قمة يراد لها اخراج العراق من عزلته التي يعاني منها منذ عقود.

القمة العربية هذه هي الثالثة التي تحتضنها العاصمة بغداد بعد تلك التي عقدت عام ألف وتسعمئة وثمانية وسبعين في أعقاب اتفاقية كامب ديفيد حيث تقرر خلالها رفض الاتفاقية ومقاطعة الشركات المصرية التي تتعامل مع اسرائيل. أما القمة الثانية فكانت في أيار/مايو من عام ألف وتسعمئة وتسعين وكانت شهدت خلافات كبيرة بين العراق من جهة ودولتي الكويت والامارات من جهة أخرى وكلنا يعرف ما جرى بعدها من غزو للكويت وحرب الخليج الثانية مع كل ما ترتب عن ذلك من تبعات لم تتعافى الأمة منها الى الآن.

فما الذي يميز هذه القمة عن سابقاتها؟

يذهب القادة العرب و قد اشترط بعضهم غياب سورية، العضو المؤسس للجامعة العربية، في سابقة فريدة لم تحدث من قبل رغم كل العداء المستحكم بين نظام صدام حسين ودول الخليج حيث كان العراق ممثلا بشخص نائب الرئيس عزت ابراهيم الدوري.

تعقد هذه القمة ومصر مغيبة عن دورها العتيد بسبب مشاكلها الداخلية بعد سقوط مبارك مما أفسح المجال لدول الخليج المستقوية بسلاح النفط وبالقوى الغربية لتسطو على الجامعة العربية فانكفأت دول كان يمكن أن تصدح بالصوت لولا خوفها ان "تؤكل يوم أكل الثور الأبيض" وان سمع هذا الصوت فعلى استحياء مخافة أن ينفذ الشيخ حمد بن جاسم وعيده ويأتي الدور عليها، أعني بذلك الجزائر وتهديد وزير خارجية قطر لنظيره الجزائري حينما عارضت بلاده تعليق عضوية سورية أثناء اجتماع وزراء الخارجية العرب.

تعقد قمة بغداد وليبيا تعيش حالة من الفوضى السياسية والامنية في ظل حكومة مركزية غير قادرة على بسط سلطتها على عشرات المليشيات المسلحة والمتناحرة وقد ترجم هذا الضعف في اعلان الفدرالية بمنطقة برقة مما ينذر بأن الحبل على الجرار ووقوف ليبيا على شفا حرب قبلية.

أما اليمن فيذهب رئيسه الجديد لحضور القمة ممثلا لأقل من نصف اليمن رغم نسبة التسعين في المئة التي تم الاعلان عنها. فالبلد مشتت بين الحراك الجنوبي الذي قاطع الانتخابات التي جاءت بالرئيس عبد ربه منصور هادي الذي، وان كان جنوبيا، فان الحراك رفضه لأنه اختيار علي عبد الله صالح وبين الحوثيين في الشمال ناهيك عن الهجمات اليومية التي يشنها تنظيم القاعدة. كل هذا والشعب اليمني مهدد بكارثة غذائية حسب ما أورده مؤخرا صندوق الغذاء العالمي ومنظمة أكسفام في تقريرين منفصلين.

نأتي الى سورية التي علقت الجامعة عضويتها، فدمشق ستكون الحاضر الغائب في هذه القمة وستحاول دول الخليج بقيادة قطر أن تحشد الصفوف لكي يتم الاعتراف بالمجلس الوطني السوري بل قد تعمل على حضوره القمة واعطائه منبرا ليتحدث باسم الشعب السوري .

تعقد القمة اذا وسورية ومعها المنطقة كلها مهددة بالوقوع في آتون حرب قد نعرف كيف تبدأ لكننا لن نعرف كيف ستنتهي والام ستؤول؟ وكيف سيتم تناول الأزمة السورية في غياب الممثل الرسمي لهذا البلد. حتى مجلس الأمن الذي كانت قراراته مجحفة وظالمة عندما يتعلق الأمر بالقضايا العربية، سمح لمندوب سورية لدى الأمم المتحدة بشارالجعفري بشرح وجهة النظر الرسمية.

من سخرية القدر أن قمة بغداد الأولى قررت رفض معاهدة كامب ديفيد وعوقبت مصر حينها بتعليق عضويتها وبنقل مقر الجامعة الى تونس لأن السادات بمبادرته تلك أخرج مصر من معادلة الصراع العربي الاسرائيلي، أما قمة بغداد هذه فانها تعاقب سورية لأنها لم تدخل بيت الطاعة بمباركة أمريكية واسرائيلية حتى وان كانت المعاقبة تتم باسم الحرية وحقوق الانسان.

القمة المقبلة لن تشهد الملاسنات التي عهدناها لأنه لن يوجد هناك من يغرد خارج السرب الخليجي. فسورية غائبة والقذافي لم يعد له وجود ليضحك الحضور. أما الجزائر فستحاول ان تمسك بالعصا من النصف لأن بيتها هي الأخرى غير محصن، ناهيك عن السودان المقسم والغارق في مشاكله الداخلية والحدودية مع الجار الجديد.

صحيح أن جدول أعمال القمة يتضمن القضايا الاقتصادية والقضية الفلسطينية لكن نكاد نزعم أن كل ما سيتقرر بخصوص المسائل الاقتصادية مثلا لن يعدو أن يكون مجرد توصيات مصيرها الأدراج لتلحق بسابقاتها أما القضية الفلسطينية فلها عنوان وحيد هو المفاوضات على اعتبار أن "السلام خيار استراتيجي". فكل قرار قد يصدر في هذا الصدد سيكون فضفاضا رنانا مثل صندوق الأقصى بمبلغ مليار ونصف مليار دولار الذي تعهدت به المملكة العربية السعودية عام ألفين عند اندلاع الانتفاضة الثانية. بعبارة أخرى ينطبق على هذه القرارات ما قاله أرييل شارون عن المبادرة العربية التي أطلقتها قمة بيروت عام ألفين واثنين في عز اجتياح الضفة الغربية ومجزرة جنين، فقد قال حينها: "هذه المبادرة لا تساوي الحبر الذي كتبت به"!.

أما بند اعادة هيكلة الجامعة العربية فهذا يعني حكما وعلى ضوء المتغيرات التي تعصف بالمنطقة أن يتحول البيت العربي الى بيت خليجي بامتياز ولما لا نقل مقر الجامعة الى عاصمة خليجية.

الجامعة العربية عاشت طيلة عقود في حالة بيات اذا استثنينا الحقبة الناصرية ووقفت عاجزة أمام كل القضايا التي واجهت الأمة ابتداء من قضية العرب المركزية وصولا الى المشاكل الحدودية بين الدول الأعضاء. كما لم نعهد أن نسمع لها صوتا في السنوات الأخيرة لا في حرب تموز في العام 2006 ولا في حرب غزة 2008. والكل شهد على تأخرها في اتخاذ موقف واضح حينما ثارت جماهير تونس ومصر ناهيك عن تجاهلها للملف البحريني.

لذلك كان من المستغرب أن نرى كل هذا النشاط وهذه الصراحة في المواقف حينما تعلق الامر بسورية أم تراها فقط صحوة الموت.

قمة بغداد ستؤسس لمرحلة جديدة وقد تكون الأخيرة في تاريخ الجامعة العربية بشكلها الحالي لأن مخطط التقسيم اذا قدر له أن ينجح لا سمح الله سواء في ليبيا أو في سورية أو حتى في اليمن فان الجامعة غير مؤهلة لمواجهة زلزال بهذا الحجم بعد أن يصبح عدد الدول العربية أكثر من اثنتين وعشرين دولة.

أما اذا أحبط مشروع التقسيم وخرجت سورية من محنتها متماسكة موحدة ودخلت في مسار ديموقراطي تعددي مع كل ما يعنيه هذا من انكفاء خليجي بسبب رهانات خاسرة فان الجامعة لن تستطيع أيضا امتصاص صدمة مثل هذه و تستمر كما لو أن شيئا لم يكن لأنها كانت شريكا فاعلا في هذه الرهانات والاصطفافات

سامية مباركي.