لبنان و غزة بين شموع الموت و كهرباء السياسة ما الذي يمكن أن يجمع بين ثلاثة أطفال قضوا في غزة و طفلين آخرين قضيا في طرابلس؟ تجمعهم شمعة آثر أهاليهم أن يشعلوها بدل ان يلعنوا ظلاما فرض عليهم فرضا. صبري (ست سنوات) و نديم (خمس سنوات) و فرح (ثلاث سنوات) ماتوا حرقا و أصيبت الوالدة بجروح خطيرة في دير البلح و قد تكرمت السلطة الفلسطينية في رام الله بإعلان الضحايا الصغار "شهداء الشعب و الأمة و الثورة" قبل أن تأمر بصرف معونة مالية عاجلة للعائلة المكلومة.

السلطة أيضا تفضلت بلعب دور الوسيط بين حكومة حماس و اسرائيل لتوريد خمسمئة ألف لتر من الوقود يوميا لتشغيل محطة التوليد الكهربائي بغزة مقابل أكثر من نصف مليون دولار دفعتها حكومة حماس. كما تعهد الناطق باسم السلطة الفلسطينية الدكتور غسان الخطيب بأن توريد الوقود سيستمر طالما استمرت حماس في إرسال مستحقاتها المالية.

بسبب شح الوقود وصل انقطاع الكهرباء في قطاع غزة إلى ثماني عشرة ساعة في اليوم. أما المستشفيات فيتراوح الانقطاع فيها ما بين ثماني و اثنتي عشرة ساعة بفضل الجهود التي يبذلها الصليب الأحمر. فلا وقود لتشغيل المحطة الوحيدة التي أغلقت أربع مرات منذ شباط الماضي لأن مصر أوقفت توريده عبر الأنفاق و طالبت حكومة حماس باستيراده من اسرائيل عبر معبر كرم أبو سالم و هو ما كانت حماس ترفضه لأن هذا يعني تحكم اسرائيل التي تستطيع ايقاف توريد هذه المادة الحيوية متى شاءت . إسرائيل كانت أرسلت شحنة عاجلة من الوقود إلى القطاع في الثالث و العشرين من آذار الماضي لكنها سرعان ما نفدت في غضون ثمان و أربعين ساعة، في تقليد يعكس فلسفة هذا الكيان بأن العدو يجب أن يقف دائما على حافة الحياة و الموت في آن. لا هو حي و لا هو ميت.

نعود الى مدينة طرابلس حيث قضى كل من ريان الأسمر خمس سنوات و شقيقه الأصغر وليد ثلاث سنوات في حريق شب بغرفتهما بسبب سقوط شمعة كانت تستخدم للإنارة فيما دخل المستشفى رضيعان توأم لعائلة أخرى لم يتجاوزا السبعة أشهر بفعل استنشاق الدخان المتصاعد الذي طال منزلهما أيضا.

هذه الفاجعة التي أصابت حي الزاهرية بشمال طرابلس حدثت و الجدل محتدم داخل الحكومة اللبنانية و خارجها حول ملف الكهرباء و كيفية توفيرها باعتبارها حقا للمواطن ينبغي على الدولة بذل كل الوسائل لتأمينه مع الأخذ في الاعتبار مسألة الكلفة . و دار النقاش حول خيار استئجار البواخر الخاصة لتوليد الطاقة أو الشروع في بناء معامل جديدة تفي بالغرض لكن في مدة أطول لا يصبر عليها المواطن الرازح تحت رحى الانقطاع و التقنين و المولدات منذ نحو عشرين سنة هذا إذا أردنا حساب الزمن ابتداء من عودة السلم الأهلي الى البلاد و لو على مستوى الشكل.

قرار استئجار البواخر للتخفيف من وطأة الأزمة كان اتخذ بعد نقاشات طويلة و مفاوضات داخل حكومة صلاحياتها تنفيذية نعم لكن بعض أعضائها يتصرفون و كأنهم في مجلس النواب المكون من موالاة و معارضة. كما أن رئيس الحكومة نجيب ميقاتي كان سجل تحفظه على مشروع استئجار الكهرباء على اعتبار أنه حل مؤقت مدته ما بين ثلاث و خمس سنوات بينما هو يريد حلا جذريا للمشكلة.

و إلى جانب خيار استئجار بواخر الكهرباء كان السفير الايراني في لبنان السيد غضنفر ركن أبادي أكد استعداد بلاده للشروع في التغذية الفورية بنحو 250 ميغاوات بواسطة الربط الرباعي عن طريق ايران-العراق-سوريا لبنان أو عن طريق ايران-تركيا-سوريا –لبنان على أن يتم انشاء معملين لإنتاج الطاقة واحد في الشمال و الثاني في الجنوب مما يؤمن حاجة لبنان من الكهرباء على مدارالساعة و بكلفة قدرت بمليار و 800 مليون دولار. و لا يزال الجانب الايراني ينتظر رد الحكومة اللبنانية مثله مثل المواطن الذي يئس من أن تجد الدولة حلا لهذه المعضلة المستفحلة لا سيما و أن الصيف على الأبواب. لبنان كما غزة مشكلته ليست تقنية بل سياسية بامتياز الغلبة فيها للتجاذبات و الاصطفافات. فغزة ذلك السجن الكبير بسماء مفتوحة و المحاصر جوا و بحرا و بحرا، تأخرت في الاذعان للاملاءات الأمريكية و الاسرائيلية و سماسرتها. و كان لا بد من "قرصة أذن". فالمصالحة التي جرت تحت الفيء القطري لم تترجم على أرض الواقع في شكل حكومة وحدة وطنية يرأسها محمود عباس. و لم يشفع لسكان القطاع التململ الذي نكاد نلمسه فيما يخص موقف حركة حماس مما يحدث غي المنطقة و إن كنا نرجو أن نكون مخطئين.

فمصر الثورة هي نفسها مصر مبارك عند معبر رفح ، إغلاق و حصار. و إخوة العروبة و الاسلام لا هم لديهم إلا "تخليص الشعب السوري من بطش الأسد" و لا وقت لدى الجامعة العربية و لا منظمة التعاون الاسلامي و تركيا كي تسعى لعقد مؤتمر أصدقاء فلسطين لدعم الفصائل الفلسطينية و مدها بالمال و السلاح أو حتى لإرسال شحنة وقود الى غزة كأضعف الايمان كي لا تغتال شمعة طفولة صبري و نديم و فرح. أما السلطة فيكفيها دور الوسيط بين شعب محتل و سلطة الاحتلال للإتمام صفقة توريد الوقود.



ريان و وليد الأسمر هما أيضا ضحية سياسات فاشلة و حسابات ضيقة لمعارضة همها إسقاط الحكومة لتعود الى الحكم و إن كانت تتعلل بمصلحة الدولة و المواطن. فماذا فعلت تلك المعارضة في ملف الكهرباء حينما كانت في السلطة خصوصا و أن العرض الايراني يعود الى فترة تولي الرئيس سعد الحريري رئاسة الحكومة أم أن للكهرباء لونا و مذهبا؟ و كم هي المرات التي خرج فيها المواطنون يحتجون على شح الكهرباء بحرق الاطارات في الشوارع و قطع طريق مطار بيروت؟ لأن انقطاع التيار الذي و إن كان يمس كافة الشعب فانه أيضا رهين الحسابات الطائفية التي تقضي بأن تتضرر منطقة معينة أكثر من غيرها.

شاءت الأقدار أن تكون طرابلس مسرح فاجعة فقدان وليد و ريان بسبب شمعة أنيرت في الزاهرية شأنها شأن جبل محسن و باب التبانة. فالهم واحد و يجب أن يوحد سكان المدينة لا أن يتحولوا إلى وقود لحرب لطائفية ستأتي على الأخضر و اليابس إذا قدر لها أن تندلع.

و أخيرا نقول للرئيس نجيب ميقاتي جميل أن تعمد الحكومة إلى خفض رسوم الانترنت لكن الشبكة العنكبوتية تحتاج الى كهرباء ليستفيد منها المواطن و الأهم من هذا كله هو أن يستقبل اللبنانيون فصل الصيف و حرارته دون انقطاع للكهرباء أو تقنين أو مولد. لم لا؟

على أية حال ضوء شموع غزة و طرابلس ليس من الرومانسية في شيىء. لأنها أنيرت بسبب واقع أليم فرضه الاحتلال كما السياسة و حساباتها و ما ضحايا هذا الواقع إلا مجرد أسماء سبقتها أسماء و ستليها أخرى.