و بحكم المهنة، قيض لي أن أشهد على حادثة وقعت في نيسان أبريل من عام 2011 اي بعد شهر تقريبا من بداية الأزمة السورية . يومها تناقلت وكالات الأنباء و منها وكالة رويترز تسجيلا لمن يسمون بالشبيحة و هم يضربون 3 أشخاص قالت عنهم الوكالة إنهم معارضون سوريون. كانت تلك الصورعنيفة، فقد أوسع الأشخاص الثلاثة ضربا و بطبيعة الحال بثت عدة قنوات أجنبية تلك المشاهد بتفسيراتها و شروحها. لكن بعد ذلك بيومين أو ثلاثة، أرسلت رويترز لزبائنها و هذا شيىء يحسب لها، تحذيرا يفيد بعدم استعمال الفيديو المذكور لأنه تبين أنه صور في أيار مايو من عام 2008، أيام ما عرف بأحداث 7 أيار حيث وقعت مواجهات بين حزب الله و مجموعات مناوئة في بيروت و الجبل.

بطبيعة الحال كان هناك من القنوات التي بثت تلك المشاهد من عاد و نوه بحقيقة الصور و مصدرها و قدم اعتذارا للمشاهدين و منها القناة الفرنسية الثانية. لكن هناك من مر على الأمر مرور الكرام لترسخ بذلك صورة الشبيحة و هم يضربون المعارضين السوريين بالرغم من أن المكان غير المكان و الفارق الزمني ثلاث سنوات كاملة. لذلك حاولت قدر الإمكان أن أنأى بنفسي عما يبث على الشبكة العنكبوتية للسبب السالف ذكره إضافة الى العنف الذي يميز الكثير من الصور المتداولة وهي حالة أصابتنا بالذهول من هول ما يجري و ما آلت إليه الامور في سوريا دون أن يتراءى للشعب السوري و معه الشعوب العربية بصيص أمل في نهاية قريبة للمأساة.

لكن و لأول مرة منذ ما يقرب السنة و نصفا حاولت أن أشاهد تسجيلا بثته وكالة رويترز نقلا عن الشبكات الاجتماعية في السابع و العشرين من شهر حزيران يونيو الماضي يصور مشهد دبابة تحترق في مدينة إدلب و هتافات مجموعة مسلحة تحتفل بالمشهد على وقع الله أكبر. و يقول الصوت المعلق على الصورة : "السادس و العشرون حزيران 2012. ثوار صقور الشام. دبابة تحترق بمن فيها. قوات الأسد الخائن. ليكن هذا درسا. الله أكبر، الله أكبر. أنظر يا بشار لما تفعل، أنظر يا بشار

ثم تنتقل الكاميرا لتصوير دبابة أخرى و الدخان يتصاعد منها. و توالت في التسجيل مشاهد الدبابات المحترقة في مدينة قدمت على أنها خان السبل قرب إدلب. لكن ما يستدعي التوقف عنده، هو الصوت الذي يعلق على الصور حيث يقول " تفجير دبابة على يد كتائب الفاروق و كتائب الدرع الشمالي. الله أكبر. هذا هو مصيركم يا كلاب الأسد. نحن المنتصرون، نصرنا سيأتي من الله. الله أكبر" كما احتوت الصور على مشهد رجل يرقص و يهتف الله أكبر. إضافة إلى مشهد آخر لجثة متفحمة بالقرب من دبابة و شاحنة محترقتين و يعود الصوت المعلق على الصور ليقول:

"قرية خان السبل. هذا هو مصير أولادكم أنتم يا من تؤيدون بشار. النار! هذه الأشلاء أنظروا إليها، و الى هذه الجثة المتفحمة لأحد جنود بشار، أنتم يا من تقدمون أولادكم لمساعدة هذا النظام الفاسد، ماذا كنتم تتوقعون. هذا هو مصير أولادكم "

و دون الخوض في أتون الحرب في سوريا الجريحة و أسبابها و مآلها، فإن الدرس الذي يستخلص مما جاء في تلك الصور من تعليقات هو أن من يشتكون من بطش النظام و بأنه ينكل بالمدنيين العزل و يطالبون الخارج بالتدخل العسكري لحمايتهم، لا يتورعون عن الرقص قرب جثة متفحمة هاتفين الله أكبر و يتوعدون الأهالي بالويل و الثبور و بأن أولادهم سيلقون نفس المصير.

 الذين رقصوا و هددوا نسوا أو تناسوا أنه يمكن أن يكون في صفوف الجيش النظامي من لا يملك من أمر نفسه شيئا. فقد يكون مجندا، او عسكريا كان يتحين الفرصة لينشق و يلحق بصفوف "صقور الشام" و "كتائب الفاروق" و غيرها من المجموعات التي اتخذت لنفسها أسماء رنانة براقة تستذكر التاريخ الاسلامي الذي لو يعرفونه حق المعرفة لما رقصوا على أشلاء جثة متفحمة و لتذكروا وصية الخليفة أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين عقد اللواء لأسامة بن زيد بعد وفاة الرسول (صلعم) بأن:

لا تخونوا ولا تغدروا ولا تغلوا ولا تمثلوا. ولا تقتلوا طفلا ولا شيخا كبيرا ولا تعزقوا نخلا ولا تحرقوه ولا تقطعوا شجرة مثمرة. ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرا إلا للأكل. وإذا مررتم بقوم فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له) فإذا كانت هذه الوصية تخص كفارا خرج المسلمون لقتالهم فما بالنا بإخوة و شركاء لنا في الدين و الوطن ؟ و إن كانوا بنظر المجموعات المسلحة في الجانب الخطأ من الصراع.

ثم هل سأل هؤلاء أنفسهم كيف سينظرون في وجه من هددوهم إذا ما قدر لهم أن يسقطوا النظام و يستلموا الحكم كما شاءت لهم إرادة و أموال مؤيديهم من الدول الكبرى و الصغرى. ألا يدركون أن سلوكا بهذا العنف لا بد و أن يترك جراحا غائرة في نفس كل من لم يؤيدهم من الشعب السوري يستحيل معها بناء مجتمع قائم على التآخي و التوافق بين كل شرائحه و طوائفه؟ لأنه لا يمكن الادعاء أن كل الشعب يقف بجانبهم و كيف سيتصرفون مع هؤلاء إذا حدث و استلموا الحكم؟ و هل يضمنون ردود الفعل الانتقامية قد يقوم بها كل من إكتوى بنارغضبهم و حقدهم على النظام.

من يتشفى في الموت وينتهك حرمة الجثث لا يمكن له أن يكون مؤهلا للحكم. فإذا كان هذا حاله و هو لم يذق بعد طعم النفوذ فما عساه يفعل لو وصل إلى السلطة و كيف سيتصرفون مع العسكريين الذين لم ينشقوا و بقوا مع النظام إلى آخر لحظة ؟ هل ستوفد لهم أمريكا بول بريمرآخر ليحل الجيش السوري على ضخامة أعداده و يعيد مأساة العراق؟  وكم يستغرق من الوقت بناء جيش جديد و العدو رابض على الهضبة المحتلة و كل مدن الشام تحت مرمى نيرانه ؟

نتمنى ألا تصل فظاعة القتل في بلاد الشام إلى ما وصلت إليه الأمور في الجزائر خلال سنوات العنف الأعمى حيث أصبح الأخ يقتل أخاه لا لذنب اقترفه إلا لأنه شرطي أو عسكري و حتى مجند.

  فالشباب الجزائري الذي التحق بالخدمة الوطنية لم يسلم من بطش المجموعات المسلحة لأنه بنظرها يخدم في صفوف جيش "الطاغوت" و ذهب الكثيرون منهم ضحية كمين نصب هنا أو هناك أو حتى ذبحا. و بهذا وقع هؤلاء المجندون بين مطرقة الخوف من الموت على يد المسلحين و سندان الهروب من أداء الخدمة الوطنية مع كل ما يترتب عنه من نتائج مثل عدم التمكن من إيجاد وظيفة هذا إن وجدت، لأن أصحاب العمل يشترطون شهادة أداء الخدمة الوطنية أو بطاقة الاعفاء. أما إذا أرادوا الهرب من الخوف و البطالة الى الخارج فلا يسمح لهم بالخروج لأنهم لم يؤدوا واجب الخدمة الوطنية.

إننا نستهجن القتل العشوائي و الرقص على الجثث و التشفي في الموت مهما كانت هوية من يقوم بمثل هذه الأفعال و كان سيكون لنا نفس الموقف لو كان الطرف الآخر في الصورة. فكرامة الإنسان فوق كل اعتبار حيا كان أم ميتا و الذي يقول إنه انتفض ضد الظلم، الأجدر به ألا يقابل ظلما بظلم و بحقد أعمى قد لا يبقي له وطنا يتطلع لتسلم مقاليد الحكم فيه.

وحدها الأيام ستبدي لنا ما كنا و لا زلنا نخشاه، لكن كل ما نرجوه هو أن يتوقف شلال الدم الهادر بأسرع وقت وبأقل الخسائر فما يجري في سوريا يدمي القلوب و كل روح تزهق، هي في رقبة من كان لها سببا أو استغلها لمآرب سياسية ضيقة أو لخدمة مصالح أكبر. فالحكومات زائلة أجاءت عبر الصناديق او على ظهر دبابة أطلسية.