و بطبيعة الحال كان الشارعُ هو الفضاء الطبيعي الذي يتلقف نبضَ المصريين كما كان في أيام الثورة أو كُلما كانت للشعب مطالبُ سياسية يريدون إسماعَها لأصحاب القرار قبل انتخاب مرسي و بعدَه. و خرج الناس إلى ميدان التحرير للتنديد بما سموه حُكمَ المرشد و تم إحراقُ بعض مقرات حزب الحرية و العدالة المنبثق عن الإخوان المسلمين. كما أن بعض المتظاهرين نادوا بإسقاط النظام و طالبوا الرئيس المنتخب بالرحيل.

و عاد بنا الزمن إلى الوراء و كأن ثورة 25 يناير لا تزال في أولها. في نفس الوقت و غيرَ بعيد عن قصر الرئاسة، كانت هناك مظاهرةُ تأييد للرئيس محمد مرسي و قراراته التي رأى فيها مناصروه ضمانةً لحماية مكاسب الثورة.

وهوالتبريرُ الذي سمح أولُ رئيس منتخب في مصر لنفسه بإعطائه، متجاهلا أو صاما أذنيه عن كل ما لا يتماشى مع النهج الذي يسيرُ عليه منذ وصوله إلى السلطة بأصوات الشعب الذي اختاره بدلَ مرشح كان تجسيدا صارخا لعهد بائد كلف مئات الشهداء و الجرحى للتخلص منه. قراراتُ مرسي الأخيرة تُعتبر انتهاكا صارخا لمبدأ الفصل بين السلطات بشهادة شخصيات لا يملك الرئيس المصري اتهامَها بالانتماء للفلول أو بمعاداة التيار الإسلامي.

Morsi.jpg فما هو رأيه فيما قاله فقيه قانوني بقامة المستشار طارق البشري الذي رأى أن الاعلان الدستوري الأخير باطل؟ هذا دون الحديث عن الموقف المتحفظ لابن الإخوان المسلمين و هو الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح رئيس حزب مصر القوية الذي عُوقب على ترشحه للرئاسة بإقصائه من التنظيم الذي أمر الناس بالبر ونسي نفسه عندما قدم مرشحين بدل واحد.

أمام ردود الفعل الغاضبة، كان لا بد لمرسي أن يَخرُجَ عن صمته الذي لم يدُم طويلا فقد وعدَ الناطقُ باسم الرئاسة المصرية حين كشفَ عن الإعلان الدستوري أن الرئيس سيتوجه بخطاب إلى الأمة يشرح فيه قراراته.لكن كيف كانت ظروف هذا الخطاب؟ خرج مرسي ليقول إن ما قام به وسيلة لحماية مكتسبات الثورة و أنه لا يريد تصفية حسابات شخصية مع أي كان.

كما اعترف الرئيس المصري بوجود معارضين و مؤيدين لكنه في نفس الوقت سمح لنفسه أن يقررَمن هم المعارضون الحقيقيون حين قال بالحرف "المعارضون المخلصون غير البلطجية المأجورين"

ليس كلُ متظاهر غاضب مأجورٌ. فالكثيرون ممن نزلوا إلى ميدان التحرير و ضُربوا و نُكَـل بهم و منهم من استُشهد لا يزالون ينتظرون أُكُلَ الثورة و قد يكون منهم من لجأ إلى العنف الذي لا نؤيده بطبيعة الحال لكن هذا لا يعني اتهامَ ضحايا النظام البائد بأنهم مرتزقة "المال الفاسد".

الرئيس المصري تعهد في خطابه بأنه "لن ينحاز لفريق ضد آخر" لكنه بالفعل انحاز لفريق معين، فريق المؤيدين له. و إلا كيف نفسر وجودَه و خطابَه أمام الحشد الذي جاء ليعلن وقوفه إلى جانبه. و هنا يكمُن وجهٌ من وجوه التخبط في سياسة مرسي منذ مجيئه إلى السلطة.

كان الأحرى بالرئيس المصري أن يشرحَ وجهةَ نظره للأمة كلها في خطاب تلفزيوني لا أن يتصرف كزعيم حزب و يتوجهَ بكلامه لمؤيديه فقط. و حينما يقول إننا "أصحاب أسهم متساوية في هذا الوطن" عليه أن يُتبع القولَ بالفعل و أن يستمعَ لصوت المعارضة التي منها مَن نزل إلى الشارع منذ أول يوم في الثورة لا من ركب القطار وهو يمشي. و هي نفسُ المعارضة التي دعت للاصطفاف حولَ المرشح محمد مرسي حينما رأت أن رموزَ العهد البائد قد تعود إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع.

و إلى جانب المعارضة بل و أهمُ منها، هناك القضاء الذي ندد بمحاولة السطو على سلطاته و استقلاله. فلا ينبغي للرئيس مرسي أن يتجاهل موقف القضاة الذين طالما كانوا وجهَ مصرَ المُشرق قبل أن يحاول نظامُ مبارك ترويضَهم.ففي هذا التجاهل نوعٌ من الازدراء للقضاء و هي تهمةٌ يعاقب عليها القانون أيَ شخص في أي بلد كان، فكيف إذا كان رئيسا للجمهورية يُفترض أن يكونَ القدوة؟

مصرُ أمُ الدنيا تحاولُ أن تنفض غبارَ سنين القمع و الحَجر على الحريات والتفرد بالقرار بفضل ثورة مجيدة يتربص بها أعداءُ الداخل و الخارج و يحاولون أن يخطفوها إلى طريق غير الذي سطره لها من فَجرُوهَا.

فالأجدر بالرئيس الذي خرج من رحم الثورة أن يُثبت للشعب أن مصر تغيرت نظامًا و وجوهًا لا أن ينحو باللائمة على فلول النظام المخلوع و إن وُجدوا، و يستعدي شريحةً كبيرة من المجتمع المصري.

كما يجب عليه ألا يظنَ أنه فوق المساءلة، مُستقويًا بحجم التأييد الخارجي. لأن المفارقة الجديرةَ بالملاحظة هي أن الرئيسَ مرسي حزمَ أمرَه بعد يوم فقط من التوصل إلى التهدئة في غزة بين إسرائيل و فصائل المقاومة الفلسطينية مع كل الإطراء الذي نزل عليه من الشرق و الغرب على دوره في الهدنة. و إن كنا لا نزال نتساءل عن الثمن و الدور المطلوب من الحكم في مصر لإبرام الهدنة التي كان نتنياهو و أمريكا أحوجَ إليها من أهل غزة و المقاومة.

التاريخ علمنا و لا زال أن الخارجَ لا يصنعُ زعيما. الشعبُ بكافة أطيافه هو الذي يصنعُ الزعيم الذي إن أخطأ فيجب عليه أن يتراجع. و الرئيس مرسي الذي خرج من عباءة الإخوان أعلمُ الناس بمقولة الخليفة أبي بكر الصديق رضي الله عنه: "إن رأيتم في اعوجاجا فأعينوني عليه" و قول الخليفة عر بن الخطاب " رحم الله امرأً أهدى إلي عيوبي".

لا ضيرَ في العدول عن قرار تسببَ في انقسام المجتمع و أثار غضب الشارع. على العكس، سيزيدُ هذا من رصيد الرئيس مرسي لدى من انتخبه و سيحظى باحترام من لم يُصوت له. و أخيرا و بينما بدأنا بواكير المظاهرات المضادة، نتمنى على الرئيس المصري ألا يلجأ إلى الشارع ليُثبت أن قراراته تتمتعُ بالتأييد و تصبح مصرُ رهينة المظاهرات و المظاهرات المضادة، مع كل ما يعنيه هذا من مخاطر على السلم الأهلي في البلد. فقد فعلَها من كان قبلَه في مصر و في غير مصر و رأينا النتيجة.