فصل الدين عن الدولة كان له أكثر من مبرر في المجتمع الغربي بالنظر إلى ما اقترفته الكنيسة باسم الدين. لكن كان من الصعب تصورُ أن يظلَ رجلُ الدين عندنا بعيدا عن هموم أُمته لأن العلاقة بينه و بين الناس لم تكن لتُقَارَنَ بعلاقة الرجل الغربي بكنيسته و لأن الاسلام دينٌ و دنيا.

لكن و نحن نعيش هذه الأيام الصعبة في وطننا العربي من ثورات و اضطرابات، تستوقفُنا مواقفُ علماء أمتنا مما جرى و يجري من أحداث .و لطالما حاولنا أن نفهم ما الذي حمل شيخا أو داعيةً ما على اتخاذ موقف معين من حدث ما صَغُرَ أو كَبُرَ شأنُه. لأن الهالة التي تحيط بالعلماء و الدعاة والاحترام الذي يحظون به عند الكثيرين، يجعلان للكلمة التي يتفوهون بها، كبيرَ الاثر عند الناس.

يعز علينا ما شاهدناه و لا نزال، من اصطفاف مذهبي و طائفي، في زمن نحن أحوجُ ما نكون فيه الى الوحدة وإلى أن يكونَ فيه رجلُ الدين لا يخافُ في الله لومةَ لائم، بَدَلَ الامتثال إلى رغبة حاكم او إلى شهوة سلطان.

كُتب على شعوبنا العربية و الاسلامية نوعان من رجال الدين: نوعٌ لم يَحدْ عما سُميَ مجازا بفقه دورات المياه: أيُ القدمين يجب أن تطأ الأولى دورةَ المياه: اليمنى أم اليسرى؟ و كيف على المرأة أن تُطيع زوجَها، مهما كان سلوكُ هذا الزوج و هل هو أصلا أهلٌ للطاعة بل للقوامة أحيانا؟

خطابٌ يهدد كلَ عاص بالويل و الثبور و عظائم الأمور و بعيدٌ كلَ البعد عن هموم الأمة و مآسيها التي جرها عليها الاستعمار و من تسلطوا على رقاب العباد بعد ذلك

أما النوعُ الثاني من رجال الدين، فهو كلُ من سَارَ في فلك أهل الحكم. يَسْكُتُونَ عن الظلم الذي يُلحقُه الحاكمُ بشعبه بل و يجدون له أحيانا القاعدةَ الشرعية. و لمَنْ خَانَتْهُ الذاكرة، مجموعةٌ من الأمثلة عن أحداث قريبة عهد بنا. الجميع يتذكر ما نُسبَ لفضيلة الإمام الأكبر محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر رحمه الله من تصريحات و مواقفَ فيما يتعلق ببعض الأحداث التي ألَمَتْ بأمتنا.

ألم يستقبل الامام محمد سيد طنطاوي عوفاديا يوسف حاخامَ اليهود الشرقيين الذى وصف العربَ بأنهم أَفَاع و أن اللهَ عز و جل "أخطأ" حين خلق بني اسماعيل؟ لقاءُ شيخ الأزهر بعوفاديا يوسف كان عامَ 1996 و هي سنةُ عناقيد الغضب التي حصدت أرواحَ أطفال قانا. عوفاديا يوسف الذى نصح آنذاك أعضاءَ حزب شاس و مؤيديه بألا ينتخبوا رئيسَ حكومة علمانيا، يعني بهذا شمعون بيريز مهندسَ مجزرة قانا و الحائزَ على جائزة نوبل للسلام. و كان لنصيحة الحاخام الفضلُ في مجيء نتنياهو الى السلطة

و خرج علينا شيخُ الأزهر سيد طنطاوي مرة اخرى بتصريحاته المثيرة للجدل عن معنى الجهاد في الإسلام في إبانَ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، أتبعها بما قاله عن منع فرنسا للحجاب في المدارس حينما التقى وزيرَ الداخلية الفرنسي آنذاك و الرئيس السابق نيكولا ساركوزي. و كان قد صرح حينها أن لكل بلد الحقَ في سَن القوانين التي يراها مناسبة، مما فُسرَ على أنه مباركةٌ للتشريع الفرنسي الجديد

أما الموقف الذي ذهب بما تبقى من ماء الوجه، فكان عن الانتخابات البرلمانية المصرية عام 2005 التي سبقتها دعواتٌ بمقاطعتها فما كان من النظام البائد بزعامة حسني مبارك إلا أن يستعينَ بالإمام محمد سيد طنطاوي لدعوة المصريين إلى صناديق الاقتراع . و كانت القاعدةُ الشرعيةُ جاهزةً. و هي أن المقاطعة إثمٌ، لأنها كتْمَانٌ للشهادة.

لاحظ في ظل أي نظام كانت مصر تعيش؟ و كيف تحول الأزهر، ذلك الصرحُ العظيمُ للإسلام الوسطي و دخل في لعبة السياسة؟ و أين نحن من مؤسسة الأزهر الشريف الذى ذاد عن الحق عبر العصور و وقف في وجه خيول نابليون بونابرت حين غزا مصر؟ بل أين نحن من عصر الإمامين محمود شلتوت و عبد الحليم محمود الذي رفض التوقيعَ للسادات على صك على بياض حينما طلب منه إصدارَ بيان باسم الأزهر لتأييد زيارة من خاض حرب أكتوبر73 للقدس.



و مثلُ الامام محمد سيد طنطاوي رحمه الله كثيرون في هذا الزمن. فَمَنْ منا لا يتذكر المسوغات الفقهية التي جادت بها قريحةُ بعض المشايخ حين أجازوا الاستعانةَ بالأجنبي على الأراضي المقدسة في حرب الخليج الثانية؟ و من منا لا يتذكرُ تَحْريمَهُمْ للدعاء بالنصر لحزب الله على إسرائيل في حرب تموز عام 2006

لكن الآن و المنطقةُ العربية تنُوءُ تحت وطأة الثورات و الاضطرابات و مع ضبابية كل ما يجري و استحالة التنبؤ بما هو آت، نُنَاشدُ دُعاتَنا أن يتقوا الله فينا. كيف لنا أن نقبل مواقفَ الشيخ يوسف القرضاوي و هو يسكت عن تدخل الناتو في ليبيا وإن كان يحكمٌها نظامٌ متسَلطٌ و مُتخلف. لأن الثورة التي تتحقق بطائرات الأجنبي ليست بثورة.

لن ننسى كيف بارك الشيخُ القرضاوي للشعب اليمني انتخابَ رئيسه و مرشحه الوحيد الذي خرج من عباءة النظام. الداعيةُ الجليل استذكر عبارة اليمن السعيد في خطبة الجمعة. هل يؤمن فعلا أن اليمن سعيد الآن؟ ألم يَسْمَعْ عن نصف مكاتب الاقتراع التي أُغلقت بالقوة و عن التفجيرات التي صاحبت تلك الانتخابات. ألم يسمع عن الحراك الجنوبي الذي لا يريد عن الانفصال بديلا؟ لمَ لَمْ يطالب الشيخ القرضاوي بمحاكمة الرئيس علي عبد الله الصالح الذي تَغَولَ على الشعب اليمني بفساده و تسلطه طيلة ثلاثة عقود و حصنته المبادرة الخليجية و لا زال عبر أذنابه يعيث في اليمن التعيس و الجائع فسادا.

لماذا لا يدعو العلامة يوسف القرضاوي دولَ مجلس التعاون الخليجي بما فيها دولةُ قطر التي يعيش في كنفها إلى ضم "اليمن السعيد" إلى مجلسها بدل المغرب و الأردن, أليس الأقربون أولى بالمعروف؟ ألا يستحق اليمنيون أن يرفُلوا و لو قليلا في فُتات نعيم مجلس التعاون؟ عَلَهُمْ ينسون دعوات الانفصال. أم أنهم يستحقون فقط ان تُبْتَلى بناتُهم ب"زواج المصياف". و في هذا، اسألوا أهل الخليج إن كنتم لا تعلمون

فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي ، تربينا على خطبك و توجيهاتك لكننا شببنا عن الطوق و لا نستطيع أن نستمع لك و أنت تحدثنا عن سوريا و شعبها المكلوم من منظار واحد فقط، منظار البلد الذي تعيش فيه و مجتمع دولي منافق لم يحدث أبدا أن كان نصيرا لقضايانا التي هو أساسا أُس البلاء فيها من تقسيم و احتلال و حكم شمولي.

أنت لم تُحدثنا عن رأيك في مقتل الآلاف من المدنيين المتهمين بموالاة النظام و لم ينضووا تحت راية الجماعات المسلحة و بقوا على الحياد و كل من يُقتل على الهوية باسم طائفية مقيتة

سيدي أنت قلت "لو بُعث محمد من جديد لوضع يده بيد 'الناتو" و نحن نقول لك: كيف تستقيم ثورة تساندها أميركا و فرنسا و بريطانيا، ناهيك عن ممالكَ و مشيخات لم تشهد يوما فرْزَصوت واحد؟

و كيف يهُبُ العالم لإنقاذ الشعب السوري من بطش النظام بينما يتعامى عن معاناة شعب حُرمَ حقَ الحرية و الحياة الكريمة على يد نفس الدول التي تتباكى على الشام و أهلها.

هذه الدول التي باركت الافراج عن الجندي جلعاد شاليط و"لم يَرُفَ لها جفن"، عذرا فؤاد السنيورة! عندما تسمع أن هناك نحو عشرة آلاف فلسطيني يقبعون في غياهب السجون الاسرائيلية و منهم من يقوم بأطول إضراب عن الطعام في التاريخ.

الدم ينزف في سوريا و كلهم أهلنا و لا يمكن لأحد أن يدعي أن النظام لم يرتكب أخطاء أو خطايا اذا شئت. كنا نتمنى لو أنك شددت الرحال إلى دمشق قبل أن تؤول الأمور إلى ما آلت إليه كما فعلت يوم ذهبت الى أفغانستان للتوسط لدى طالبان حتى لا يفجروا تماثيل بوذا. ألا يستحق السوريون منك أن تحاول إصلاح ذات البين أم أن تماثيلَ بوذا أهمُ لأن أمريكا و أوروبا اصطفتا لإنقاذها؟

مباركي سامية