من خلال هذه المقدمة الطويلة التي أستسمح فيها القراء، أردت التوقف عند خطاب وزير الخارجية القطري الشيخ حمد بن جاسم أمام المؤتمر الدولي الأول لمجلس العلاقات العربية و الدولية الذي عقد في الكويت مؤخرا.

الرجل الثاني في دولة قطر قال بالحرف: "... إذا أردنا أن يحترمنا العالم، فعلينا أن نحترم أنفسنا و نحترم شعوبنا و نستجيب لتطلعاتهم المشروعة لا أن نُزهق أرواحهم و نستبيح دماءهم كما يفعل النظام السوري حاليا و الذي قدّم للعالم صورة شائنة و مُشينة عن العرب قد يصعب محوُها قريبا من الذاكرة حيث يموت آلاف الأبرياء بنيران الدبابات و الطائرات و يتشرد الأطفال و تترمل النساء و تزدحم المخيمات بالنازحين و اللاجئين و كلُّ ذلك من أجل ماذا؟ أن يبقى شخص واحد في الحكم".

لا أملك إلا أن أتفق مع كلام وزير خارجية و رئيس وزراء قطرالصريحِ كعادته (سبق أنْ وَصَفَ العربَ بالنعاج!) في أنه يجب أن نحترم أنفسنا قبل أن يحترمنا الآخرون و أن هناك صورةً شائنة و مشينة عن العرب قد يصعب محوها قريبا من الذاكرة"

لكن، أختلف مع الوزير المحترم في جزئية أراها جدَّ هامة، و هي أن انعدامَ الاحترام و الصورة "الشائنة و المُشينة" التي يقدمها العرب عن أنفسهم للعالم ظاهرة مُستشرية منذ زمن بعيد و ليست وليدةَ الأزمة السورية التي لم تتجاوز السنتين على ما فيها من مآس و كوارثَ على السوريين قبْلَ غيرهم.

الوطن العربي حباه الخالق بخيرات ونِعَمٍ يحسده عليها كثيرون. تواصلٌ جغرافي، موقعٌ استراتيجي، مياهٌ عذبة و منافذُ بحرية. نفطٌ و غازٌ و معادنُ ثمينة و سواعدُ شابة تَنْحَتُ الصَّخْرَ.

كلُّ المُقَوِّمات اللازمة لِبِنَاءِ أُمّة قوية موجودة. من الثروات الطبيعية و البشرية إلى التاريخ المشترك و وِحْدَةِ اللّغة و المصير.

كان من الممكن بل من المفروض أن يخرجَ الماردُ العربي من قُمْقُمِه بفضل كلِّ ما لديه و يحققَ للأمة مطالبَها و يزيد، كي ينتقلَ بها إلى مصاف الشعوب المتقدمة الحرة، المتنورة و المتسلحة بالعلم والقيم الانسانية التي يزخر بها هذا الشرق العظيم مهدُ الدِّيانات و الحضارات. لكن، لم يحدث شيء من هذا مع الأسف. بقيت الأمة ترزح تحت نير التبعية و لم تَنَلْ من استقلالها غيرَ الاسم و لم يستفد من ثرواتها غيرُ الحكّام بأمر الله و كلُّ من نافقهم و طَبَّلَ لهم و لمُوبِقَاتِهِمْ.

أجل يا معالي الوزير، لن يحترمنا العالم حين يرى و يسمعُ بأن نِصْفَ الشعب اليمني يبيت دون عَشاء بينما التخمة تكاد تقتل الجيران الذين ما فتئوا يردّدون على مسامعنا أنهم يحْكُمُون بشرع الله لكنهم نسوا الحديث الشريف القائل " والله لا يؤمن من بات شبعان وجاره جائع وهو يعلم "

لن يحترمنا العالم و نحن نشارك و شَارَكْنَا في حصارِ و تجويعِ إخوة لنا في الدين و العروبة. و أنا لا أعني الشعبَ الفلسطيني فقط. بل أردتُ الإشارةَ إلى حصار و معاناة الشعب العراقي منذ حرب الخليج الأولى و حتى سقوط النظام.

هذا النظام الذي ساهم في تَغَوُّلِهِ و استبْدادِه من كانوا يُمِدّونه بالمال و السلاح لِيَسْتَنْزِفَ الثورة الوليدة في الضفة الأخرى للخليج.

لن يحترمنا العالم و نحن نتواطأ مع الأجنبي ضدّ إخوتنا. فنَفْتَحَ له الحدود و نستقبلَ على أ راضينا أكبرَ قواعده العسكرية ليغزو أرضا عربية بِذَريعَةِ أسلحة الدمار الشامل. أمّا إذا حالت الجغرافيا دون فتح الحدود و احتضان القواعدِ العسكرية و جحافلِ مَغُولِ العصر، نتكفّلُ بتزويد طائرات الأجنبي بالنفط ليَدُكَّ بلدا لا يختلف دكتاتورُه كثيرا عمن ساعدوا الغرب على إزاحته.

لَمْ نسأل أنفسنا أبدا السؤال الآتي: هل حدث مرة أن تواطأ الغربُ ضد بعضه مع أي دولة عربية؟ لن يحترمنا العالم و حُكَّامٌنَا يتقاطرون على العواصم الغربية للعلاج لأنهم لا يثِقُون في مستشفياتهم و كوادرهم الطبية. هل سَمِعْنا أو رأينا زعيما غربيا جاء للاستشفاء عندنا؟

لن يحترمنا العالم و بعضُ دُوَلِنَا، مِصْرُ كمثال، تتوسّل قرضا من صندوق النقد الدولي و مِلْياراتُنا نائمة في بنوك أوروبا و أمريكا و حُكّامنا يساهمون في تسييرعجلة الاقتصاد الغربي المُتعثّر باستثماراتهم في نيويورك و لندن و باريس و غيرها.

لن أنسى يا معالي الوزير ما قُلْتَهُ الصيف الماضي في لندن عندما افْتَتَحْتَ أعلى ناطحة سحاب في أوروبا. قُلْتَ حينَها إن قطراستثمرت أكثرَ من 20 مليار جنيه استرليني في مدينة الضباب أثناء الأزمة الاقتصادية.

تخيّلْ لو أن رُبْعَ المبلغ استُثْمِرَ في اليمن أو في الدول التي هَبَبْتَ للذَّوْدِ عنها و عن شعوبها، كم من منصبِ شُغل كان سيُخلق و كم فما جائعا كان سيشبع؟

لن يحترمنا العالم و نحن أسّسنْا للاستعباد الحديث باسم نظام الكفيل المتحكّمِ في رقاب من جارت عليهم الأيامُ و اضطرّوا لِطَرْقِ أبواب الرزق خارج أوطانهم. فكان لهم الفضل في المساهمة بإعمار البلد المضيف و تسييره. لكن، سرعان ما يصبح خطرُ ترحيلهم سيفا مُسَلَطا على حكوماتهم، لو حدث و اختلفت سياسيا مع الدول الشقيقة التي قصدوها طمعا في حياة أفضل.

لن يحترمنا العالم و نحن نستقوي بما امْتَحَنَنَا اللهُ به من مال. و بعضنا يُعربِد كما يحلو له في الأرض العربية التي يزورُها سائحا. يدُوسُ على القوانين بل وعلى كرامة سكان البلد و لا يسمح بأي شكوى و إلا هدّدت دولته بمَنْعِ مواطنيها من العودة إلى هذا البلد الذي يُزعج راحة سُوّاحٍ ليسوا كغيرهم. فلا يَجدُ البلدُ التعيس بُدًّا من الاعتذار و لو كان على حساب مواطنيه.

لن يحترمنا العالم و ما تنفقه إسرائيل على البحث العلمي، يعادل أربعة في المئة من دخلها القومي بينما ما تنفقه الدول العربية مجتمعةً أي 22 دولة لا يتعدى 0,2 في المئة رغم كل التريليونات التي نملكها. النتيجة طبعا معروفة: لا اختراعات و لا أبحاثا و لا يحزنون.

...لن يحترمنا العالم و نحن مجرّدُ سوق استهلاكية تَبْتَلِعُ الغثّ و السّمين

كلّ شيء لدينا مستورد: غذاؤنا، لباسُنا.. سياراتنا التي ما أن نَمَلَّ منها، نتركُها في الصحراء فيتناقلَ الغربُ صُوَرَهَا على صفحات الانترنت ليُريَ العالمَ البلادةَ و التخمةَ التي أصابت بلادَ العرب.

هل تريدون بيّنَةً على ما أدّعيه؟ إليكم قصة سياّرة قُدِرِتْ قيمتها ب250 ألف دولار، تخلّى عنها صاحبُها في صحراء الجزيرة العربية ليُبْدِلَها بأُخرى. و مثلُ هذه القصص كثير.

لن يحترمنا العالم و نحن نفتخر بأن ما نستهلكه صُنِعَ في الخارج بل و نُرَوِّجُ لتلك السلع في إعلاناتنا بأنها صناعةٌ فرنسيةٌ و إنجليزية و إيطالية حتى لو كان المُنْتَجُ رمزا لجذورنا و هٌوِيتنا كعرب. لن أنسى مثلا إعلانا يقول "الشماغ الفلاني صناعة إنجليزية فاخرة.."

أجل، ملياراتُنا لم تشفع لنا، و لم تجْعَلْ مِنَّا يوما أُمَّةً تصنع شيئا. في المقابل، و دون الخوض في الجانب العقائدي و السياسي،، نجح "الشيعة الروافض" في إيران، و و برغم الحرب التي سَاعَدْنَا في شنّها و غذّيْنَاهَا و رغم الحصار الاقتصادي المفروض على البلاد منذ عقود، نجحوا في إرساء قاعدة صناعية و عسكرية و علمية. فصنعوا الغواصات و الصواريخ و الطائرات بدون طيار و خاضوا غمار الطاقة النووية و طرقوا أبواب الفضاء. كلّ هذا بسواعد و عقول إيرانية صِرْفة

لن يحترمنا العالم و نحن نشتري الأسلحة بأغلى الأثمان ليأكُلَها الصّدَأُ في المخازن. نحتضنُ مَعَارِضَ السلاح في عواصمنا فيأتي تُجارُ الموت كي يَبِيعُونا عتادا و طائراتٍ لا يُمْكِنُها أبدا كَسْرُمعادلة التفوق العسكري لإسرائيل في المنطقة لكننا في نفس الوقت نحظى بأحدث الوسائل في قمع المظاهرات.

و على ذكر المظاهرات، فإن العالمَ لن يحترمَنا و نحن نواجه شبابا أعْزَلَ من السلاح يُطالِب بالعدالة و المساواة في المواطنة، بجيش جرّار حَسِبْنَاه سيدخل فلسطين فاتحا.

لن يحترمنا العالم و نحن نطالب بالحرية و الديموقراطية لدى شعوب بِعَيْنِهَا بينما لا نُطيق سماعَ قصيدة لم تأت على هوى النظام فكان مصيرُ قائِلِها حُكْمًا بالإعدام قبل أن يرأف به القضاء الأميري و يخفِّفَ العقوبة إلى 15 عاما.

بهذا المنطق نتساءل: كيف إذا نلوم بشارالأسد على محاربة معارضة حملت السلاحَ و قَصْفِها بالصواريخ و الطائرات في سوريا بينما لا يتّسِع صدْرُنا لِمَنْ تفَوّه بكلمة و نَظَمَ قصيدة؟

ألم يأت في القرآن الكريم "و الشعراء يتبعهم الغاوون، ألم تَرَ أنهم في كل واد يهيمون و أنهم يقولون ما لا يفعلون" أي أنه لا ينبغي أن يُؤخذ ابن الذيب على محمل الجدّ لأنه شاعر، يقول ما لا يفعل و بالتالي لا يمكن له قَلْبُ نظامِ الحكم الراشد

خلاصةُ القضية و بسبب كل ما سبق ذكره، لن يحترمنا هذا العالم مهما اشترينا من نواد رياضية و محلات باريسية و لندنية. و مهما ملأنا من بنوك غربية و قمنا بتبرعات مالية. حتى أن هناك من يَسْتنكفُ عن أخذ هذه التبرعات فيُعيدها َلأصحابها خشية سُخْط الناخبين و الرأي العام في بلاده..

هل تريدون بيِّنَةً على ما أدّعيه؟ العشرة ملايين دولار التي تبرّع بها أحدُ الأمراء العرب لعمدة مدينة نيويورك السابق رودي جولياني غداة أحداث الحادي عشر من أيلول 2001. فما كان من السياسي الأمريكي إلا أن أعاد الشيك لصاحبه بطريقة فيها كثيرٌ من العنجهية و العنصرية .

بأموالنا، نحن نستجدي احترامَ دُوَلٍ تَضِنُّ به علينا. صحيفة الواشنطن بوست نشرت مؤخرا تقريرا عن تبرُّع دولة عربية بمبلغ خمسة ملايين دولار لمدينة جوبلين المتضررة من الفيضانات التي ضربت ولاية ميسوري الأمريكية العام الماضي.

و نقلت الصحيفة أن سفيرَ تلك الدولة سأل عُمدةَ جوبلين عما تحتاجه مدينته قائلا: "أُطْلُبْ ما تحتاجه". كأنّ مارِدَ مِصْبَاحِ علاء الدين خرج من قمقمه ليُلبّي رغبات صاحبه.

و كان للعمدة ما أراد، أموالٌ لإعادة بناء مستشفى المدينة و إنشاءُ قسم عناية مركزة لحديثي الولادة، كان المستشفى المدَمَّر يفتقر إليه قبل الكارثة، بالإضافة إلى إعادة بناء مدارس المدينة و مَنْح جهاز حاسوب محمول لكل طالب هناك



و قد تطرقت الصحيفة في تقريرها إلى السبب الكامن وراء مثل هذه المبادرات. حيث قالت إن سفير تلك الدولة العربية طلب إجراءَ استطلاعٍ عن رأي الأمريكيين في دولته. فجاءت النتائج كالآتي: 30% لهم آراء سلبية و 70% من الأمريكيين لا رأي له.

قررالسفير حينها أن يلقي سلسلة محاضرات للتعريف عن بلاده و حكى لسامعيه (بحسب الصحيفة) "كيف وقفت بلاده مع الولايات المتحدة في حربها على الإرهاب و كيف كنا مع واشنطن هناك...في ليبيا.

جميل أن نُساعد شعوبا بعيدة عنا لكن الأجمل و الأخلاقي أيضا أن نجَهّزَ مستشفياتِ و مدارسَ أشقّاء لنا هُمْ في أمس الحاجة للمساعدة بسبب نقص الوسائل الطبية و التعليمية.

سنجد حتما من يجادلنا بأن الدول العربية الغنية ليست مسؤولة عن كل مآسي فقراء الأمة. و جوابُنا بسيط: بما أن لكم فائضا تتبرعون به لشعوب غريبة عنكم، أليس الأجدر أن يكون الأقربون أولى بالمعروف؟

سيحترمنا العالم عندما نأكل ما نزرعُه و نلبسُ ما ننسجُه و نركبُ ما نصْنَعُه و نُعالَجُ على يد أبنائنا و في مستشفياتنا

التاريخ أثبت أن المال لا يشتري الاحترام. سيحترمنا العالم عندما نملك قرارَنا بِيَدِنَا و لا نتداعى لِقِمَّةٍ أو لاجتماعٍ بِكَبْسَةِ زرّ غربية أو نتّخِذَ موقفا سياسيا بإيعاز من واشنطن و غيرها.

و إلى ذلك الحين، سيبقى العالم ينظر إلينا بالطريقة التي لَخّصَهَا لنا يوما وزيرُ الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر

العرب عبارة عن مجموعة خِيَمٍ. لِكُلّ خيمة شيخٌ هو الكلّ في الكل. و هو من يجب الحديث إليه و النفخُ فيه و تمجيدُه حتى يُصَدِّقَ الكذبة و يقَدِّمَ التنازُلَ تِلْوَ التنازل.

فإلى متى نبقى نعاني من آثارالخيمة و الشيخ حتى نحظى بالاحترام؟

سامية مباركي