و قد أشار المسؤول البريطاني السابق إلى صعوبة القرار الذي اتخذه فقال: " كان ذلك أصْعَبَ قرار اتخذته في حياتي لكنه كان في نفس الوقت أكثر القرارات توازنا و لا أزال شخصيا مقتنعا بأنه كان من الأفضل ان نزيحَه من أن نتركه في الحكم .."

و اعترف بلير بردود الفعل السلبية التي أثارها القرار لكنه كرر نفس أكذوبة أسلحة الدمار الشامل التي ثَبُتَ تلفيقها قائلا: " سيبقى هذا القرار صعبا و مثيرا للجدل لكني أعتقد أنه عندما يستذكر الناس ما حدث، و هذا فعلا ما يجري مع كل يوم يمر، سيتذكرون كل المسائل المتعلقة بأسلحة الدمار و غيرها و يسألون السؤال الهام: أيهما أفضل؟ عالمٌ بوجود صدام أو بدونه؟ أعتقد أن الجواب واضحٌ جدا و بالنهاية هذا هو الحكم الذي يجب أن نُطْلقه". أضاف بلير.

على ضوء هذه التصريحات و على فظاعة و شمولية النظام السابق في العراق، غاب عن توني بلير أن يسأل السؤال الأهم: كيف أعاد الغزوُ بلادَ الرافدين و شعبَها عشرات السنين إلى الوراء؟ و لم يتطرق ظلُ جورج بوش الإبن في أوروبا إلى فضائح القوات البريطانية في ذلك البلد و ما اقترفته من قتل و تعذيب للسجناء في مدينة البصرة على سبيل المثال لا الحصر. كما لم يأت على ذكر عشرات الآلاف من البريطانيين الأحرار الذين خرجوا إلى شوارع لندن مطالبين بوقف الحرب على العراق و بتقديم عرابها إلى محكمة الجنايات الدولية.

و بطبيعة الحال لم ينس رئيس الوزراء البريطاني الأسبق في حديثه، سوريا و ما يجري فيها متسائلا عما إذا كان التدخل الغربي هناك مبرَرا، فقال :"إن السؤال الحقيقي بالنسبة لنا في الغرب اليوم هو: هل نحن مستعدون أن ندخل في هذه المعركة أم لا؟ أنا اعلم أنه بعد شدة و قسوة المواجهة في أفغانستان و العراق، المزاج العام في الغرب يوحي بضرورة أن نظل خارج ما يجري. لكنني أقول إنني خائف من أننا سننجر إلى هذه المسائل في نهاية المطاف"

الغريب إذا، و بعد عشر سنوات من الاحتلال الأمريكي البريطاني للعراق، يبقى توني بلير يردد كذبة أسلحة الدمار الشامل التي يبدو أنه صدقها و نسي في الوقت نفسه أن لعنتها كلفته منْصبَه كرئيس للوزراء في 24 يونيو حزيران 2007 قبل أن تصيب حزبَه في مقتل، فخسر الانتخابات التشريعية عام 2010 تاركا المجال لعودة المحافظين بعد حكم دام ثلاثة عشر عاما.

هذا الامعانُ في الكذب و عدمُ الندم على حرب أدت إلى وفاة مئات الآلاف من العراقيين، قد يكون مردُه إلى أن توني بلير لم يُحاسَب على ما قدمت يداه بل إنه تحول في طرفة عين من مهندس حرب إلى مبعوث سلام. فقد عُين مبعوثا خاصا للرباعية الدولية حول الشرق الأوسط في نفس اليوم الذي استقال فيه من منصبه كرئيس للوزراء، ربما مكافأة له على الخدمات "الجليلة" التي أسداها لشعوب الشرق الأوسط و على رأسها الشعبان اللبناني و الفلسطيني في حربي 2006 و 2008 .

و بعد ست سنوات من هذا التعيين، ها نحن نرى نتائج جهود المبعوث الدولي على الأرض: تغولٌ في الاستيطان و آلاف الأسرى في السجون الإسرائيلية و محادثات سلام في ثلاجة الموتى تنتظر قرارا شجاعا بتشييعها إلى مثواها الأخير.

لكن هذا السجل الأسود في التعامل مع القضايا العربية، لم يمنع السيدَ بلير من اعتباره صديقا لبعض الأنظمة في هذا الوطن. فقد وصفه سيف الإسلام القذافي بالصديق الشخصي للعائلة لكثرة تردُده على خيمة حاكم ليبيا الراحل معمر القذافي

إن الشخص الذي رأى في صدام حسين ديكتاتورا، لم ير في القذافي حاكما شموليا خَلَفَ شعْبَه. عمي السيد بلير عن الدكتاتورية طالما كانت هناك مصلحة، سياسية عندما جرد ليبيا من أسلحة الدمار الشامل أثناء فترة تواجده على رأس حكومة جلالة الملكة و مالية بعد أن ترك الحكم و عمل كمستشار لدى القذافي حيث تذكر بعض المصادر أن الدقيقة الواحدة للاستشارة المباركة بألفي دولار..

و بهذا نرى أنه إذا كانت سمسرة الحروب قد قضت على مستقبل السيد بلير السياسي، فان عالم المال و الأعمال لم يُدر ظهره لمبعوث الرباعية السيئة الصيت فقد حصد في ثلاث ساعات لا غير، عمولةً قُدرت بمليون جنيه أسترليني (1,24 مليون يورو) في صفقة بين شركة "جلينكور"السويسرية لتجارة المواد الأولية و دولة قطر في شهر شباط فبراير 2012 الماضي

كيف يمكن إذا لرئيس وزراء بريطانيا السابق أن يُراجع ما فعله أو يشْعُرَ بوخز الضمير على حرب بُنيت على فرية، طالما أن الطرف الآخر نسي و لا يزال يتعامل معه و يُجْزلَ له العطاء لقاء نصائحَ لم تثبُت نجاعتُها بل لا يمكن أن يُعْتد بها لأنها من سياسي مشكوك في نزاهته ومصداقيته ناهيك عن كونه مسؤولا سابقا في دولة كانت على مدى التاريخ هي أُس البلاء في كل ما أصاب منطقتنا و لا زال.