خرج من المدينة تحت وقْع الرصاص و الخوف على حياته و حياة زوجته تاركا وراءه رُكامَ ما كان يوما ما بيتا يأويه. فقد دُمِّرَ البيت بفعل الاقتتال الدائر بين الجيش السوري و المجموعات المسلحة و لم يجد الرجل أمامه إلا بيت شقيقه الذي يسكن العاصمة دمشق حيث الأمن النسبي مقارنة مع الوضع في حمص و ريفها

حلَّ الرجل ضيفا على أخيه لكنه لم ينس مدينته، مُشتّتا كان بين يأس من عودة قريبة و أمل بعيد في أن تضع الحرب أوزارها. فكان يوصي طول شهور النزوح أن يُدفن في حمص فيما لو قدّرَ الله و أخذ أمانته

لهذا المواطن ابنٌ هاجر قبل سنوات إلى فرنسا بغرض الدراسة. فطلب من والديه أن يأتيا لزيارته عَلّهُما يبتعدان قليلا عن أصوات الرصاص و التفجيرات و رائحة الموت. و جاء الرجل الذي أثقلت ظهرَه السنون و شاءت الأقدار أن يُصاب بوعكة صحية في هذا البلد، دخل بسببها إلى المستشفى، و هناك فاضت روحه إلى بارئها

في ظروف عادية و أمام مصيبة كهذه، لا يحتاج الأمر إلى تفكير. حيث تُتّخذ الإجراءات لنقل الجثمان إلى أرض الوطن كي يحظى بجنازة يحضرها الأهل و الأحبة. لكن في حالتنا هذه، يصبح التفكير في مثل هذا الحل نوعا من الترف، بل ضربا من المستحيل نظرا لصعوبة الوصول إلى حمص و المعاركُ مُسْتعِرَة. بكى الابن بحرقة على فراق والده و أكثر منه على أنه عاجز على تنفيذ الوصية.

و لم يكن أمام الابن إلا خيارُ دَفْنِ والده بعيدا عن مدينته و حتى وطنه و في مقبرة مسيحية تضم مُرَبعّا مخصصا للمتوفين من المسلمين. و حَدِّدَت الإدارة المختصة موعد الجنازة دون مراعاة لضرورة أن يكون متزامنا مع صلاة الظهر أو العصر أو حتى المغرب. و ما زاد الأمر إيلاما أن هذا الإبن لم يجرؤ حتى أن يخبر والدته الموجودة لديه بوفاة والده.

صحيح أن هذا السلوك قد يكون غريبا أو حتى مُدانا في ظاهره، لكن قد يكون السببُ خوفَ المسكين على الأم من أن تلقى نفس المصير و تصبح المصيبة مصيبتين

لم تكن لهذا الابن علاقات اجتماعية كثيرة بحُكْم عمله الذي لا يترك له وقتا كثيرا. عزّ عليه أن يدفن والده بعيدا عن وطنه و بلا مُشَيِّعين. فطلب من صديق سوري له إن كان يستطيع أن يجمع له أكبرَ عدد من المهاجرين العرب ليُصَلّوا على والده صلاة الجنازة و يحضروا مراسم الدفن. فأصبح كل شخص ممن وصلته الدعوة يطلب من أصدقائه إن كان في إمكانهم المشاركةُ في الصلاة على الميت و مرافقته إلى مثواه الأخير.

و تمت الجنازة بحضور عدد لا بأس به من المشيعين. و بفضل أهل الخير، أُقيم حفل تأبين للمتوفي، أنسى الابنَ بعضا من حزنه و أشعره انه ليس وحيدا في مصيبته. أثناء التأبين، لم يكن للحاضرين إلا هَمُّ الحديث عن سوريا و مأساتها. و حكى بعض السوريين كيف أن الجنازات في بعض المناطق السورية المضطربة لا يحضرها أكثرُ من أربعة أشخاص يرافقون الميت إلى مثواه الأخير و السبب هو الخوف من قناص هنا أو هجوم هناك.



مات الرجل إذا في أرض لا يعرفُها و لا تعرفه. مات و لم يُدْفَنْ في حمص أو على الأقل في مدينة أخرى بأرض الوطن. حتى قبرُه ليس له. فالمقابر في أوروبا تخضع لقوانين السوق أيضا. يدفع الأهل حقَّ استغلال قبرٍ ما لِدَفْنِ ذويهم و لمدة بضع سنين، حتى إذا انقضت المدة، يتم تجديدُ عَقْدِ استغلالِ القبر و إلا يُؤَجَّرُ المكان لشخص آخر.

هكذا أصبح الناس في سوريا بسبب جنون الموت و الدمار. يموتون بعيدا عن أرض الوطن و لا يستطيع أهلوهم دَفْنَهُم في ثراه. أما بقي منهم في أرضه، فليس بأفضل حالا. لا الأحياء ينعمون بالأمن و لا الأموات يرقدون مرتاحين في قبورهم. فيتحول الجميع إلى وَقُودِ حَرْبٍ بالوكالة و كرةٍ في ملعب الكبار و لن يكونوا أكثر من مجرد تفصيل في تسوية قادمة مهما تباكى عليهم من كان أُسَّ البلاء في كل ما حلَّ بهم و بِوَطَنِهِم