و كان الردّ متوقّعا من جماعة الإخوان المسلمين: ندّدوا بالانقلاب على الشرعية و خرجوا في مظاهرات عارمة تطالب بعودة الرئيس المعزول و تهاجم القوات المسلحة و الفريق أول عبد الفتاح السيسي و تصفه بأقذع الأوصاف حتى أن السيد صفوت حجازي و هو يخطب في ميدان رابعة العدوية توجه للسيد السيسي واصفا إياه بالكلب.

دون الخوض في المسألة الأخلاقية و الدينية، وهل يحق لداعية إسلامي أن ينحدر لهذا المستوى من الخطاب، نحن أمام واقع يهدد بتحويل مصر و ميادينها إلى ساحة حرب تسري كالنار في الهشيم مع كل ما يعنيه هذا من خطر على الأمن القومي و النسيج الاجتماعي و الطائفي في بلد يفوق عدد سكانه ال90مليون نسمة

كان الأحرى بالرئيس مرسي و أمام كَمِّ المظاهرات التي خرجت ضده أن يقبل بالاحتكام للصندوق الذي جاء به إلى السلطة و له في التاريخ عبرة

ماذا يقول السيد مرسي في الجنرال شارل ديغول صاحبِ الشرعية التاريخية و الإنتخابية؟ كان بطلَ الحرب العالمية الثانية و مُحَرِّرَ فرنسا من النازية و مؤسِّسَ الجمهورية الخامسة. و كان فوق هذا كلِّه، رئيسا منتخبا بالاقتراع المباشر. لكِنْ لم يشفع له كل هذا التاريخ الزاخر بالإنجازات في أعين شعبه.

ففي مايو أيار69 من القرن الماضي، أجرى ديغول استفتاء على إصلاح مجلس الشيوخ و مسائل اقتصادية أخرى وخسر الاستفتاء حيث قُدرت نسبة الرافضين بأكثر من 52%.

و وصلت الرسالة للرئيس الفرنسي بأن ذلك الموعد الانتخابي كان استفتاءً على شعبيته. رغم أن حزبه كان نال الأغلبية المطلقة في انتخابات برلمانية مسبقة عام 68، نُظمت على إثر مظاهرات طلابية و عمالية عارمة شابتها أعمال عنف أدّت إلى سقوط قتلى. (كانوا 3!) و انسحب الرجل بمحض إرادته رغم كل ما قدّمه لشعبه على الصعيد الداخلي و الدولي.

على مدى سنة من حكمه، لم ينجح الرئيس مرسي في إقناع شرائحَ واسعة من الشعب المصري بِحُسْنِ الاختيار حين منحته صوتَها، إما اقتناعا بأفكار الإخوان أو رعبا من عودة فلول النظام البائد عبر فوز الفريق أحمد شفيق بالرئاسة. قد يجادل البعض أن الرئيس مرسي لم يُمنح الوقت الكافي أو أنه حورب في الداخل و الخارج و هذا صحيح بكل المقاييس.

لَكِنْ بالمقابل، عرفت البلاد في عهده استقطابا مخيفا و انقساما كبيرا في المجتمع المصري، و طغت تُهَمُ التكفير و التخوين على المشهد العام. تميّز عهد الرئيس مرسي على قِصَرِه بضبابية الرؤية في مقاربة المشاكل و الانفراد و التخبّط في اتخاذ القرار الذي قد ينتقل أحيانا من النقيض إلى النقيض كثيرة هي الزلاّت التي ارتكبها النظام الوليد باعتراف الدكتور مرسي شخصيا، لكن بعد أن "وقعت الفأس في الرأس" و لم يعد هناك أمل في تدارك الوضع.



مِنْ هذه الزلاّت، الإعلان الدستوري و إقالة النائب العام عبد المجيد محمود و استعداء القضاء، ناهيك عن التعامل مع مشروع سد النهضة الإثيوبي الذي يشكل تهديدا وجوديا لِبَلَدٍ هو أصلا هبة النيل و حصته منه لا تسد الحاجة.

في هذا الملف بالتحديد، شهدنا تصريحات و تهديدات جوفاء أوحت بان الذي يتربع على سدة الحكم في أرض الكنانة غِرٌّ مبتدئ، يفتقد إلى الحنكة و الحصافة السياسية. هاتان الصفتان غابتا أيضا حين رفع الرئيس مرسي في مؤتمر حاشد عُقِدَ بالقاهرة، عَلَمَ المعارضة المسلحة السورية الذي هو علم الانتداب الفرنسي شئنا ذلك أم أبينا.

و لِيَزِيدَ الطينَ بلّة، أعلن الرئيس الإسلامي عن قطع العلاقات مع سوريا وسط دعوات للجهاد و النفير العام للقتال ضد النظام هناك، في خطوة تتناقض كليا مع ما تم الإعلان عنه قبل ذلك بأيام قليلة و من قِبَلِ القيادة المصرية ذاتها بخصوص تشكيل لجنة رباعية تضم كلا من السعودية و تركيا و مصر و إيران بغية إيجاد حل سلمي للأزمة في سوريا.

و كيف لا يتورّعُ الرئيس الإسلامي عن قطْع العلاقات مع بلد هو جزء من أمن مصر القومي بِغَضِّ النظر عن النظام الذي يحكمه بينما اتفاقية كامب ديفيد قائمة لا تُمس.

بل أن الدكتور مرسي بثّ فيها الحرارة التي افتقدتها منذ التوقيع عليها قبل أكثر من 30 عاما، بإرساله تلك الرسالة الشهيرة الى الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز. شمعون بيريز الذي أصبح بعد ثورة 25 يناير "صديقا عزيزا" لصديق وفيّ يتمنى الازدهار لشعب إسرائيل بحسب تعبير الرئيس المعزول.

صحيحٌ أن المدة التي قضاها الرئيس مرسي في الحكم قصيرة، لكن هيبة الدولة في عهده أُصيبت في مقتل. انتقلت مصر من الدولة البوليسية القمعية إلى دولة غائبة و فلتان أمني ينخر في جسد المجتمع. و كان السببُ في كثير من الأحيان قراراتِ الرئيس نفسها. مَنْ منا لا يتذكر ما جرى إثر عملية النطق بالحكم في أحداث ستاد بورسعيد؟ العشرات سقطوا إثر مباراة بين المصري و الأهلي..

و حين تمت المحاكمة، و خرجت المظاهرات احتجاجا على الحكم، قُتل العشرات أيضا. فما كان من الرئيس مرسي إلا أن يعلن حظر التجوال في مدن القنال، بدل البحث عن نزع فتيل الأزمة المشتعلة باعتباره المسؤولَ الأول في البلاد. و لم يتأخّر ردّ الجماهير في بور سعيد و الاسماعيلية و السويس، فقرّروا كسْرَ حظر التجوال بالخروج في مظاهرات ليلية في تحد واضح للقرار الرئاسي و لهيبة الدولة بشكل عام. بل و صدرت دعوات للعصيان المدني والاستقلال أيضا في مدينة بور سعيد مثلا.

كل هذه الأحداث إذا، من وضعية اقتصادية متردية و قرارات سياسية مثيرة للجدل إن لم تكن خاطئة، أعطت إيحاء بأن مصر لا تسير في الاتجاه الصحيح.

فرغم تاريخ الإخوان الطويل في ممارسة السياسة كمعارضة، تبين أن الحُكْمَ يتطلب مواصفات معينة ينبغي توافرُها في قيادة تكون أهلا لحُكْم بلد كمصر و يكون انتماؤها للوطن لا للجماعة.

فرغم كل الإشارات و التحذيرات التي وجهتها الجماهير في الميادين والجيش في القاعات المغلقة، لم يُرد الرئيس مرسي أن يستمع و ينصت و أظهر عنادا غريبا في مواجهة المحتجين و الغاضبين على سياسته، ما يذكّرنا بما قاله يوما الرئيس المخلوع حسني مبارك بأن له دكتوراه في العناد. و إلا فقد كان بإمكان الدكتور مرسي، و أمام حالة الاستقطاب الشعبي تلك، أن يدعو لاستفتاء على سياسته و شعبيته.

لكنه لم يفعل. و نسي الرئيس الإسلامي ما دأب عليه الحكم الراشد الذي كان يقول لمحكوميه " لقد وُلّيت عليكم و لست بخيركم فإن رأيتم فيّ خيرا فاعينونى و إن رأيتم فيّ اعوجاجا فقوّموني.."

الآن و حتى لا نبكي على اللبن المسكوب، ما الذي يمكن عملُه أمام شارع منقسم و اقتصاد مترهل و عنف متزايد؟ و ما مسؤولية الجميع كلٌ في موقعه؟ينبغي على كل الأطراف السياسية أن تضع مصلحة مصر فوق كل اعتبار و أن تسمو فوق الضغائن والجراح. لا المناوئون للإخوان يحقّ لهم احتكارُ المشهد و إلغاء الآخر. و لا من يرون أنهم ظُلِموا أن يعتبروا السلطة هِبَةً لا تُرَدُ خصوصا بعد الأخطاء القاتلة التي ارتكبوها و تجربتِهم غيرِ الموفقة في الحكم.

ينبغي على جماعة الإخوان المسلمين ألا تُهيج الغرائز بلجوئها إلى لعبة الشارع حفاظا على دماء المصريين بكل أطيافهم. و قد رأينا ما حدث في محيط الحرس الجمهوري و الدماء التي سالت و من كانوا بلباس "الاستشهاديين" في ميدان رابعة العدوية و سمعنا أيضا الدعوات إلى الشهادة ذوْدا عن "الشرعية" و التهليلات التي صدحت حين وردت أنباء عن تحرك سفينتين حربيتين أمريكيتين باتجاه مصر بعد عزل الرئيس مرسي

على جماعة الاخوان المسلمين ألا تتبنى خطابا مُلْتبِسًا، يرفع شعار السلمية في ظاهره لكن محتواه يحمل أكثر من تأويل، بل و يدعو إلى العنف في أحيان كثيرة. فما معنى كثرةُ الحديث عن الشهادة و ما معنى كلام القيادي الإسلامي محمد البلتاجي أن استقرار الوضع في شبه جزيرة سيناء رهْنٌ بعودة الدكتور مرسي إلى الحكم؟

و كيف نرهن أَمْنَ الوطن و مصيرَه بشخص مهما علا شأنه. أم تُراها العادة الفرعونية القديمة التي تُؤلِّهُ الحاكمَ في بلدٍ دخله الإسلام منذ أكثر من 15 قرنا.

مِصْرُ على شفا الحرب الأهلية. فلتتق كل الأطراف فتنة لا تُصيبَنّ الذين ظلموا منهم خاصة. و إذا كانت الجماعة فعلا حريصة على مصلحة الوطن و أظنها كذلك، فينبغي عليها أن تتجنب التصعيد، فتستنزف ما تبقى من إمكانات البلد خصوصا و أنه لا يوجد ما يمنعها من خوض الانتخابات التشريعية و الرئاسية القادمة لتقف على مدى شعبيتها. أما القوات المسلحة فلا يجوز أن يُزَج بها في صراعات داخلية تُعَرض الأمن القومي للخطر مثلما ما يحدث في سيناء.

إن الجيش المصري هو آخر ما تبقى من نقاط القوة في هذه الأمة. فالجيش العراقي حُلّ و الجيش السوري منهك في حرب أهلية لا أفق فيها.

أمام جماعة الاخوان المسلمين في مِصْرَ مثلان شهدتهما تسعينياتُ القرن الماضي. مَثَلُ الجزائر وإلغاءُ الجيش لنتائج الانتخابات ودخولُ البلاد في أتون العنف الأعمى مع كل ما ترتب عنه من ضحايا و خسائر مادية.

و المثلُ التركي و انقلاب الجيش على حكومة نجم الدين أربكان الإسلامية. تلك الحكومة التي عضت على الجرح لتهيئ الطريق أمام عودة للإسلاميين إلى الحكم عبر انتخاب رجب طيب أردوغان و لم يكد يمر خمس سنوات على الإطاحة بحكومة أربكان.

فأي الطريقين تختار الجماعة؟



سامية مباركي