و قامت قيامة الصحافة الغربية تنديدا بالحكم مع وصلات من الغمز و اللمز في حق الإسلام و العرب. كما نُسبت تصريحات للخارجية النرويجية تأسف للحكم و تعتبره منافيا لمفهوم العدالة و حقوق الإنسان في بلادها.

و لم تكد تمر ثلاثة أيام حتى صدر أمر بالعفو عن الفتاة و أُعيد لها جوازُ سفرها مع التأكيد أنه في إمكانها البقاء في دبي دون مضايقة أو مغادرتها و العودة إليها متى شاءت. و هكذا أُقفل الملف.

على ضوء ما تقدم و بغض النظر عما إذا كانت حادثة الاغتصاب قد وقعت أم لا، نسأل عن العبرة التي يمكن استخلاصها و كيف نقيم المواقف التي صدرت؟

موقف الحكومة النرويجية و الصحافة الغربية عموما. نلاحظ أن المواطنة المتهمة حظيت باهتمام و مساندة السلطات الرسمية في بلادها. فقد جنبتها السفارة النرويجية مهانة الحبس قبل المحاكمة ناهيك عن الضغط السياسي و الدبلوماسي و الإعلامي الذي مورس و أثمر أخيرا بالعفو عن السيدة داليف.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا: لو كان المتهم عربيا هل كانت حكومته لتتحرك و تضغط للإفراج عنه؟ فَكَمْ من وافدعربي مقيم في دول الخليج وجد نفسه في دائرة الاتهام و زُج به في غياهب السجون أكان بريئا أو مذنبا.

و لا نرى أي مبادرة من سفارة بلاده لمساعدته سواء خوفا من إثارة غضب الدولة الخليجية الثرية أو ببساطة لأنها لا ترى في القضية ما يستحق الاهتمام ما دام المواطن بسيطا و ليست "له دية".

أما عن الصحافة الغربية فقد وجدنا إيحاءات تحاول إقحام الشريعة الإسلامية في هذه القضية و غمزا ينال من العقلية العربية المتخلفة التي لا تعرف معنى العدالة او حقوق الإنسان فتُعَاقبَ "الضحية" بدل الجاني. وهذا ما نَسْتَشفه مثلا في التصريح الذي نقلته الصحافة عن الخارجية النرويجية و الذي أشير إليه سابقا.

موقف سلطات البلد المضيف. لو توقفنا قليلا عند التهم الموجهة للمواطنة النرويجية و هي "تناول الكحول و إقامة علاقة غير شرعية ..." لوجدنا أنها تتناقض مع ما هو جَارٍ أصلا في البلاد

فَدُبَيْ مركز للسياحة و الأعمال من الطراز الأول، يزورها و يسكنها أناسٌ من كل أصقاع الأرض و أغلبهم غير مسلمين. و كُلُنا يعلم أن الكحول مثلا متوفر في الفنادق و يباع لغير المسلمين، على الأقل من الناحية النظرية. فكيف إذا تُوجه تهمة تناول الكحول لسيدةٍ أجنبية غير مسلمة كانت متواجدة في فندق؟

أما بالنسبة لِتُهْمة إقامة علاقةٍ غير شرعية، هنا أيضا يعلم القاصي و الداني ما يجري في دبي في هذا المجال و ما سبب تواجد مئات الروسيات و الأوكرانيات و غيرهن من مختلف الجنسيات إضافة إلى السواح الأجانب الذين يأتون إلى هناك. فهل تضع السلطات حراسة على كل أجنبي ينزل في فنادق المدينة ؟ أم أن الأمر يتوقف على هوية الشخص ومقامه و أهميته.

و بخصوص تهمة نشر أخبار كاذبة، فإن المتهمة تقول إن النيابة لم تأخذ بتقرير الطبيب الشرعي و تحليل الحمض النووي لإثبات جريمة الاغتصاب. هنا أيضا بقيت الأمور مُبْهَمة و لم نسمع وجهة النظر الإماراتية لنفي ادعاءات المتهمة و الدفاع عن نزاهة القضاء في هذا البلد.

لكن الأمر المثير للدهشة بالنظر لسرعة حدوثه هو قرار العفو الذي صدر بحق المتهمة. هنا نتساءل: لماذا و كيف صدر و هل كان ليَصْدُر لولا هذا الضغط الغربي الرسمي و الإعلامي؟ و ماذا عن عدالة الحكم القضائي نفسه؟

أما السؤال الأهم في هذا المقام هو: ماذا لو كانت المتهمة سريلانكية أو هندية أو باكستانية؟ هل كانت ستَنَالُ نفس الحظ من العفو؟ جميعنا يعرف الجواب مسْبقًا.