كلّ شيء مباح في هذه التفجيرات و لا توجد خطوطٌ حُمْر أو حرْمَةٌ لمكان أو مناسبة. فكل الأماكن مستهدَفة، من طرق و أسواق و مبان حكومية. حتى بيوتُ الله من حسينيات و مساجد لم تسْلَمْ.

و إذا كان الفرح قد هجر بيوت العراقيين فإنه لا وقت للحزن أيضا. فلا يُسمح لأهالي الضحايا بِبُكَاءِ قتْلاهم حيث يأتي الانتحاري ليُفجّر نفسه في مأتم لِتُصبحَ الجنازة جنازات. أما المستهدفون فالكلّ أمام التفجير سواء. شيعة و سنّة و مسيحيون و أكراد و رجال أمن.

و إذا استثنينا الاحصاءات التي تقدمها الأمم المتحدة من حين لآخر بعدد الضحايا، فإن كل هذه الفظائع تجري في ظل صمت و تجاهل عربي و دولي فاضح. و كأنّ الضحايا ليسوا بشرا بل أنهم لم يرْقَوا إلى مرتبة كالتي يحظى بها الحيوانات في الغرب. و لا نكاد نسمع استعمال لفظ "إرهاب" لتعريف ما يجري في العراق، لأنه إرهاب بكل المقاييس

فما هو سرّ هذا الصمت يا تُرى؟ للإجابة على هذا التساؤل، لِنبْدَأْ بصمت القوى الغربية، و تحديدا أمريكا و بريطانيا أو ما اصطُلح على تسميته تجاوُزًا، بالمجتمع الدولي لو أنّنا فعلا نريد أن نسمي الأشياء بأسمائها.

مَرَدُّ هذا الصمت أن هذا الغرب الانتقائي في الترويج للمعاناة البشرية، يصُمُّ آذانه عما يجري في العراق لأنه لا يريد أن يرى آثار سياسته و الحالَ التي وصلت إليها البلاد بعد ما جاءها "مُحرّرًا و مُنوّرا"

لا يريد رؤية الدمار المادّي و المعنوي الذي خلّفته حربان شَنَّتهُمَا واشنطن و حلفاؤها. الأولى باسم تحرير الكويت التي غزاها النظام السابق و الثانية باسم أُكذوبة أسلحة الدمار الشامل التي روّج لها الرئيس الأمريكي جورج بوش و ظلُّه في القارة العجوز، رئيسُ وزراء بريطانيا توني بلير.

المجتمع الدّولي لا يريد أن يرى مثلا الارتفاعَ الرهيب في نسبة الإصابة بالسرطان بفعل استعمال اليورانيوم المنضّب الذي قذفته أسلحة القوات الأمريكية في العراق.

و لنأخذ في هذا الشأن ،ما يجري مثلا في مدينة البصرة و بحسب شهادة الدكتورة جنان غالب حسن رئيسة قسم الأورام في مستشفى الأطفال بالمدينة و هي الدكتورة جنان غالب حسن حيث صرحت لوكالة رويترز الشهر الماضي بما يلي

"قبل عام 1991 كنا نستقبل 15 حالة سرطان سنويا لكن الوضع تغير الآن. أصبحنا نستقبل حوالي 2000 حالة شهريا، أغلبُها حالات لوكيميا (سرطان الدم) بالإضافة إلى حالات أخرى. و أضافت السيدة حسن أن المستشفى يستقبل حالات نادرة من الأورام الخبيثة بالإضافة إلى أورام العين و الكلية و العظام. أما المرضى فيتراوح سِنُّهُم بين ال3 أشهر و ال 17 عاما".

أمّا مدينة الفلوجة، فحدِّث عنها و لا حرج. تلك المدينة الشهيدة التي قدمت في تشرين الثاني 2004 آلاف الشهداء من المدنيين من الأطفال و النساء، راحوا ضحية الفوسفور الأبيض حسب شهادات بعض جنود المارينز أنفسهم الذين شاركوا في الهجوم.

و الفوسفور الأبيض لمن لا يعرف هو سلاح كيميائي استعملته أمريكا زعيمةُ العالم الحر و حاملةُ لواء القيم الانسانية دون رادع و دون أن تشعر بوخز الضمير لكنها رُوِّعت أمام مشاهد ضحايا الأسلحة الكيميائية في سوريا فقررت الانتصارَ لهم بالسياسة كما الحرب.

ما عسانا أن نقول أيضا عن الفلوجة بعدما حلّت عليها "بركات" العم سام؟

هل نُذَكِّرُ من نسَوا، أن المدينة بقيت لوقت طويل لا يدخلها إلا أهلُها و بعد الخضوع لتفتيش يعتمد على عدسة العين، أو أن نساءها يتملّكهن الرّعْبُ من أجمل إحساس في الكون، ألا و هو الأمومة مخافة أن يحْمِلْنَ في أحشائهن مواليد مشوهة بفعل آثار استعمال الأسلحة المحرّمة دوليا خلال عملية الجيش الأمريكي المسماة "غضب الشبح". فحوالي 10%من مواليد الفلوجة يولدون مُشوّهين بحسب الإحصائيات.

كلّ هذا، لا تريد رؤْيتَه الدولُ التي شاركت في العدوان على العراق و على رأسها أمريكا "المغرورة القوية" لأنه سيكون اعترافا بِمُوبِقاتِهم، و كيف أن البلد الذي غَزَوْه بناء على فِرْية، حوّلوه إلى خراب و إلى دولة فاشلة.

أسّسوا فيه للطائفية و جرّدوه من جيشه القويّ. و كانوا سببا في اغتيال كفاءاته العلمية و تهجير مسييحييه و أطلقوا فيه يد المرتزقة من أمثال منظمة بلاكووتر و غيرها و دمّروا بُنْيته التحتية و تركوه مرتعا لجماعات القتل و التكفير.

فمن فعل بالعراق كُلَّ هذا، هل ننتظر منه أن يبكي عليه أو يُندِّدَ بسقوط عشرات الضحايا كل يوم و هو الذي جوّع و قتلَ ملايين العراقيين.

وإلى جانب المجتمع الدولي، نجد ان الأشقاء العرب يشتركون أيضا في جريمة الصمت و التجاهل لما يحدث في بلاد الرافدين، و إن كانت الأسباب تختلف من دولة لأخرى.

فهناك من الدول من شهدت تغييرا لا مجال لتقييمه الآن و هي غارقة في مشاكلها الداخلية من تناحُرٍ سياسي و أحداث عنف و تفجيرات. من هذه البلدان تونس و مصر و ليبيا و تونس، و هي قد لا ترى ضرورة في الاهتمام أو التعليق على ما بما يجري في بلد عربي شقيق بينما بيتُها غير مُحصّن أو فريسة للفوضى و هذا طبعا مرفوض أخلاقيا و سياسيا.

لكن هناك من الأشقّاء من له يَدٌ فيما يجري في العراق فَحَوَّلَهُ إلى ساحة حرب و صراع على المصالح مع إيران تماما مثلما ما فعل في ثمانينيات القرن الماضي، فغوّل نظاما مستبدّا ما لبث ان انقلب عليه عندما لم يُوافق أهواءه و مصالحه.

مخابرات تلك الدول هي من تُمِدّ جماعات الموت بالمال و العتاد، لعدة أسباب، منها عداؤها لرئيس الوزراء العراقي نوري المالكي حليفِ إيران.

هي تُنكر عليه "طائفيتَه" التي لم تَرَها حينما وقع أمْر نَحْرِ رئيس "سني" صبيحة عيد الأضحى. نسِيَتْ تلك الدولُ المذهبَ حينها و تذكّرت فقط ضغينتها و حقدها على من كان يومًا رأسَ حرْبتها ضد إيران.

هذا العداء للسيد المالكي إذا، هو الذي يُغذّي التدهور الأمني في العراق كي يظهر رئيس الحكومة بمظهر المسؤول الفاشل العاجز عن حماية شعبه و فتتحقّقَ خسارةُ ائتلاف دولة القانون في الاستحقاق الانتخابي المقبل، هذا إِنْ قدِّرَ له أن يتم، بما أن الاتفاق على قانون الانتخابات لا يزال يراوح مكانه.

السبب الثاني في موجة الإرهاب التي تضرب العراق، هي أن البلد يدفع ثمن الموقف الرسمي مما يجري في "بلاد الشام".

لأننا نلاحظ أن التصاعد في أعمال القتل و العنف تزامن مع تفاقم الحرب في سوريا. فكلنا يتذكّر حادثة فرار 500 سجين من القاعدة من سجنَيْ أبو غريب و التاجي و ذهاب الكثير منهم إلى القتال في سوريا و بروز ما يعرف بالدولة الإسلامية في العراق و الشام "داعش"

و كُلُّنا يتذكّر ما قاله وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف مؤخرا، حين حذّر من نقل جماعات مسلحة لأسلحة كيميائية من سوريا إلى العراق.

و كأنّ البلد لا يكفيه ما عاناه من ويلات الحروب التي شُنت بالوكالة و سنوات الحصار و التجويع و الاحتلال والاقتتال الطائفي فجاءت الأزمة السورية لتزيد الطين بلّة و لتقول للشعب العراقي المنهك و المثخن بالجراحات، لم يئن الأوان بَعْدْ لتستريح.

أخيرا و ليس آخرا ماذا عن ساسة هذا البلد، سواء من جاء منهم مع الغزاة أو من انتهز فرصة سقوط النظام ليجد له مكانا تحت شمس العراق الجريح و المحتل؟

لو أمْعنّا النظر، لوجدنا أن بعضهم مشغول عمّا يهمّ المواطن في رزقه و أمنه. أصبحت القضية هي التناحر السياسي و اتهام الاخر بالطائفية.

و أصبح الحديث يدور عن امتيازات النواب و البدل التي يحصلون عليها. أما الحكومة فمبتورة بعد انسحاب وزراء القائمة العراقية بزعامة السيد إياد علاوي الذي نُذكِّر بالمناسبة أنه كان رئيسا للوزراء حينما دُكت الفلوجة عام 2004 على رؤوس أهلها.

لكن، و رغم قتامة المشهد ،لا يسَعُنا إلا أن نستذكر التاريخ. فما يشهده العراق اليوم ليس إلا ظرْفا سيمضي، حاملا معه دموعه و مآسيه تماما مثلما ما مضت حقبات أخرى و أخذت معها الغُزَاة و المستبدّين. فقد ذهب المغول و بقي العراق. أُحْرِقت مكتبةُ المأمون، لكن العراق العريق بحضارته و تاريخه أنجب بعد ذلك علماء و مفكرين و فنانين.

لذلك، نتمنى أن تكون التفجيرات الجارية على فظاعتها، عاملا في توحيد الشعب كما توحّد في المعاناة، لأن هذا الإرهاب لم يستثن طائفة أو عِرْقا.

يجب على أهلنا في العراق أن يعوا أن العدوّ هو نفسه سواء آستهدف أحياء الكاظمية أو الأعظمية أو الدورة أو حتى مدينة أربيل. لأن هناك من يريدُهم أن يسدِّدُوا فاتورة الحقد الطائفي الأعمى و حسابات الكبار والصّغار