في تلك اللحظة التاريخية، عاد بنا إلى الوراء ذلك الزمنُ الذي قرأنا مآثرَهُ في كتب التاريخ على علاتها، و سمعنا عنه دون أن نراه. إنه زمنُ الثورة على الظلم و الاحتلال. زمنُ التضحية في سبيل قضيةٍ كانت تبدو مستحيلة، لأن التعويلَ كان على آفة النسيان لدى الشعب المحتلّ حتى ينسى أنّ له تاريخا و لغةً و انتماءً.

و السبب هو أن دولةَ الاحتلال استماتت في إيجاد المُسوّغات الحضارية و الأكذوبة الجغرافية بأن الجزائر كانت قطعة من فرنسا قبل أن تفعل الطبيعة مفاعيلَها و يفْصِلَ البحرُ بين البلد الأم و المقاطعة التي أضْحت بقُدْرةِ قادر في الضفّة الأخرى من المتوسط.

جميلة بوحيرد كانت واحدةً من أولئك الذين آمنوا بأنه لا مستحيلَ أمام عدالة القضية. و لا شيءَ يغْلَى عن الوطن، فوَعَدَتْ و لم تحْنثْ في قَسَمِهَا و عطائها.

و كتب الله لها الحياةَ لتكون شاهدةً على حقبة بطولية من تاريخ الجزائر. و بعد أكثرَ من خمسين عاما من الاستقلال عن فرنسا، و بعد أن بلغت السيدة جميلة عامَها الثامنَ و السبعين، أبى القدرُ إلا أن يُكَرِّمَ مناضلةَ القصبة و يُذَكِّرَهَا بِمَلْحَمَةِ تحرير الأرض و بأنّ عطاءها كما عطاء رُفقائها في التضحية لمْ و لن يُنسى.

لأن روح التجرُّد و الإيثار فيها، حَمَلَاهَا عن الابتعاد عن الأضواء و عَمَى السّلطة و بَهْرَجَتِهَا. فمن يناضل، يناضل لله و الوطن، لا من أجل جَاهٍ و نفوذ و مزايا اجتماعية و مالية. و هل يوجد ما يضاهي غلاوة الوطن؟ أوليس حبُّ الوطن من الإيمان؟

النضالُ الحقّ، هو أن تُؤْمنَ بقضية حينما ينفضّ عنك الناس. و حين يكون كلُّ شيء ضدّك. و حين لا تنْتظر ما تجْنِيه مقابل انخراطك في المعركة. و قبل كلّ هذا و ذاك، فإن النضال الذي تنحني له القامات إجلالاً، هو الذي لا يبدأ بعد وقف إطلاق النار.

القدَرُ إذًا هو الذي شاء تكريمَ جميلة بوحيرد، فقيّضَ لها وسيلةً إعلامية حرّة لِتَنَالَ شرفَ المبادرة. و نحن إذْ ننْسِبً التكريمَ للقدَر، فإنّنا لا نَبْخَسُ الميادينَ حقّها أو نُنْقص من قَدْرهاَ لأنها كانت الوسيلةَ في تحقيق هذه المهمّة النبيلة. لكنْ ما يحُزّ في النّفس، هو أنه كان على جميلة أن تقْطَعَ المسافات لِتَجِدَ من يُكرّمُها في أرض غير الأرض التي ذادت عنها مع إخوانها الذي قضوا شهداء. فلا كرامة لنبيّ في وطنه.

التكريم، كان سيكون له حتما طعمٌ خاص لو تمّ في أرض الوطن. على الأقل لم تكن بوحيرد مضطرّة للحديث بلُغَةٍ غيرِ لُغَتِها لكي يفهمها الحضور، لأنها كما قالت "لا تعرف اللّغة العربية" التي حرمها منها الاستعمار جميلة كانت ستتحدّثُ بلغةٍ أهل "القصبة" التي وُلدتْ و ناضلتْ فيها، و كانت ستجدُ من يفهمُها و يفهمَ لُغتها العامية دون عناء.

لكن في المقابل، قد تكون الاقدارُ التي شاءت تكْريمَها هي نفسُها التي حَكَمَتْ أن تكون المناسبةُ في أرضٍ عربية لا تقِلُّ شَرَفًا و نضالا و تضحية عن الجزائر. و في هذا أكثرُ من عِبرة و حكمة.



التكريم الذي حدث في لبنان، تعبيرٌ على أن الأرضَ العربية واحدة، رغم الحدود و الحواجز وتضارب المصالح.

إن هذا ليس كلاما إنشائيا نريد به دغْدَغَةَ العواطف. فالإحتفاء بجميلة بوحيرد كان احتفاءً بنضال شعب بأكمله.

لقد ذكّرنا بما قدّمته مصر أيامَ عبد الناصر. و كيف احتضنت القضيةَ بيروت عاصمةُ العروبة بمظاهراتها و تبرّعاتها لصالح الثورة الجزائرية و لا ننسى في هذا المقام كلّا من تونس و المغرب.

لقد ذكّرنا بما قدّمته مصر أيامَ عبد الناصر. و كيف احتضنت القضيةَ بيروت عاصمةُ العروبة بمظاهراتها و تبرّعاتها لصالح الثورة الجزائرية و لا ننسى في هذا المقام كلّا من تونس و المغرب.

أما التجاوب و التفاعُل الذي أظْهره الحضور في القاعة، فَهُمَا أيضا تعبيرٌ على أنّنا نفْرَحُ لفَرَحِ الإخْوة في العروبة و نحْزن لحُزْنهم، إيمانا منّا و وعْيًا بأنّ المصيرَ مشترك مهما بَعُدت المسافات و بأنه لا مكان للتّشرذُم في زمن التكتّلات. و ما يجري في الأرض العربية من انتفاضات و مآس و دماء ينبغي ان يكون لنا حافزًا لننهض.



و لا خيارَ أمَامَنا. فإمّا أن نكون أو لا نكون، لأن العدوّ واحد مهما تعدّدت وجوهُه و أدواتُه .