السجن التي تقبع فيه الطفلة، يقع في مقاطعة هلمند، و أغلبية نزلائه من الأطفال الذين استعملتهم حركة طالبان لشن هجماتها حسب ما قال بعض المسؤولين الأفغان الذين قدّروا عدد الصغار الموقوفين بحوالي 200 طفل. و قالوا إنه تم القبض في يوم واحد على 21 طفلا كانوا يعملون لحساب طالبان.

و قد صرح السيد محمد طيب و هو مسؤول بوزارة العدل الأفغانية في حديث لإحدى الوكالات بأن "طالبان تستعمل الأطفال في حربها و عزا الأمر إلى الجهل و الأمية و استشهد بما قامت به الطفلة سبوغماي حيث قال إنها أُشقاءها أجبروها على القيام بعملية انتحارية ضد الحكومة و الإقدام على قتل نفسها.

قصة تلك الفتاة تختصر معاناة شعب بأكمله على مدى عقود. شعب لا يحق لأطفاله أن ينعموا بالحياة المجردة، فأصبحت أجسادهم الغضّة لَحْمًا يحترق في نار حرب مشتعلة و لا شيء يوحي بنهايتها في القريب المنظور.

المسؤول الأفغاني حين عزا الظاهرة إلى الأمّية و الجهل، فاته أن يذكر ما هو أهم من ذلك و هو الاحتلال. فاته أن يذكر أن طالبان لم تخرج من العدم و أنه لا يجب اختزال الأمر في مواجهةٍ بين طالبان و الحكومة. تلك الحكومة التي نخرها الفساد إلى العظم و التي لا تحكم من البلد إلا جزء من العاصمة كابول.

مهما كانت عدالة أية قضية، لا يوجد على وجه الأرض ما يبرّر استعمالَ طفل صغير في حرب. فالطفل يبقى طفلا مهما حصل. لكن أن نتعامى على جذور المأساة فهذا غير مقبول.

و لنفرض جدلا أن المشكلة تكمن في الجهل و الأميّة، ماذا فعلت حكومة حامد كرزاي لمحاربة هذه الآفة منذ قدومها إلى الحكم ببركة الخارج؟ لا شيء.



أطفال أفغانستان و نساؤها و مَدنيّوها بشكل عام ليسوا ضحايا طالبان فقط. و هذا ما غفل عنه المسؤولون في هذا البلد. فقد ذكر تقرير للأمم المتحدة مؤخرا أن ما يقرب من 3000 آلاف مدني قُتلوا في 2013 أي بزيادة 7%مقارنة مع سنة 2012 أما الجرحى فقد بلغوا 5656 جريحا أي بزيادة 14%.

و من هؤلاء المدنيين من قتلتْه قوات التحالف في غاراتها الجوية التي تنفذها ضد طالبان منذ غزو البلد عام 2001. حيث ذكر التقرير أن 54 غارة من الغارات التي شنتها القوات الأجنبية في 2013 أدّت إلى خسائر في صفوف المدنيين و أن نصف تلك الخسائر من النساء و الأطفال.

و أشارت الأمم المتحدة إلى أن 19 غارة من الغارات ال54 التي أدت لإصابة مدنيين، هي غارات شنتها طائرات بدون طيار و بزيادة تفوق 3 أضعاف النسبة التي شهدتها سنة 2012.

من يُدْرينا أن طفلا ممن كُتِبت له الحياة بعد تلك الغارات قد يدفعه الغضب و روحُ الانتقام إلى أن يفجّر نفسه؟ لأنه قد يكون فَقَدَ جميع عائلته في غارة طائرةٍ بدون طيار زرعت الموت و الدمار بكبسة زرّ و بذريعة قتْلِ عناصر من طالبان؟

أطفال أفغانستان ليس لهم ديّة . أطفال أفغانستان جوعى، و إن شبعوا فقد لا يجدون سقفا يقيهم حرّ الصيف و قرّ الشتاء. أما التعليم فقد أصبح ترفا بالنسبة لهم، مهما كانت محاولات المنظمات الانسانية للتخفيف من وطأة المعاناة لأنها تعتبر نقطة في بحر.

أطفال أفغانستان و كهولها لم يعرفوا سوى الحرب في بلدهم، فتحوا أعينهم على بلد محتلّ مدمّر تتناحر فيه جماعات و مصالح أكان باسم الدين أو باسم الحرية التي أتت على ظهر دبابة أمريكية جاءت من أقاصي الدنيا لتثأر لمواطنيها الذين قضوا في هجمات سبتمبر.

أطفال أفغانستان كبروا على رؤية جنود أجانب مدججين بالسلاح و هم أصحاب الأمر و النهي في البلاد. قالوا لهم إنهم جاءوا الى وطنهم ليحرّروهم من ظلم طالبان و جهلهم. فما وجدوا ما كانوا يوعدون.

هؤلاء الأطفال إذا، لا يشبهون أقرانهم في بلدان أخرى في شيء، لأنهم غرباء عن عالم يعيش فيه الطفل طفولته ببراءتها و شقاوتها. أطفال لم يروْا غير الدّمار و الدماء و الفساد. فكيف لا ينجرّ بعضهم طوْعا أو قسْرا إلى طريق لا عودة منها؟