قد يجادل البعض أن فئة عريضة من الشعب، هي التي أرادت دخول السيسي معترك السباق السياسي، و هذا صحيح و لا يمكن أن ننْكره بعد أن رأى فيه الكثيرون "المسيح المخلّص" من حكم الإخوان. لكن، ألم يلتفّ الشعب قبل الآن، حول ترشيح محمد مرسي حين خشي عودة نظام مبارك عبر الفريق أحمد شفيق الذي أتى في المرتبة الثانية في انتخابات الرئاسة عام 2012؟

ترشّح السيسي سيزيد من حالة الانقسام التي أصابت المجتمع المصري بعد سنة 2012. فعندما أطاح المشير بالرئيس مرسي برر الانقلاب أو تصحيح مسار الثورة سمّوه ما شئتم، برر خطوته بالاستجابة لمطالب الجماهير التي خرجت في مظاهرات عارمة مطالبة الرئيس الاسلامي بالاستقالة.

لكن، ما الذي حدث بعد ذلك؟ قمع غير مسبوق لكل من يجرؤ على معارضة عزل مرسي. لا بل دُشّن عهدُ ما بعد 30 يونيو بفضّ دموي لاعتصام ميدان رابعة العدوية ما أدى لمقتل أكثر من ألف شخص من أنصار الإخوان المسلمين بحسب التقديرات الرسمية.

بدخوله معترك السباق الرئاسي، إن كان هناك سباقٌ أصلا، يقدم المشير عبد الفتاح السيسي أكبر هدية لمن كانوا يقولون إن الانقلاب على أوّل رئيس منتخب في تاريخ البلاد لم يكن لأجل مصر كما أعلن يوما، بل تم لأغراض الاستحواذ على السلطة وهو الذي أعلن زهده في الحكم حين قال إنه "لن يترشح للرئاسة و إنه لن يسمح للتاريخ بان يكتب أن جيش مصر تحرّك من أجل مصالح شخصية." و بهذا يكون المشير قد أخلف أوّل وعد قطعه على نفسه أمام الشعب.

من بين من استبشروا خيرا بتدخل الجيش في الثلاثين من يونيو، لا شك أنهم أعادوا النظرفي مواقفهم بعد ما رأوا ما جرى و يجري من تضييق على الحريات و سن قانون التظاهر و زجّ للصحفيين في السجون بتهمة التآمر ناهيك عن حبس النشطاء السياسيين و منهم على سبيل المثال وجوه بارزة في ثورة 25 يناير كأحمد دومة و احمد ماهر و محمد عادل و هم قادة حركة 6 أبريل الذين حُكم عليهم مؤخرا بالحبس 3 سنوات رغم أن فيهم من هلّل لتحرك الفريق الأول آنذاك ضد مرسي.

مصر بعد 30 يونيو، أصبح القضاء فيها يحكم بالإعدام و في جلسة واحدة على أكثر من529 شخصا من أنصار مرسي في جلسة واحدة. و إذا كان هناك من يجادل بان القضاء مستقل و أن المشير لا دخل له في ذلك، فإنه بهذا يرمينا بالسذاجة لأنه يعرف جيدا من هو رجل مصر القوي بعد الاطاحة بمحمد مرسي ومن يقبض على زمام الحكم في البلاد و إلا فكيف يستتقبل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين المشير و يعامله معاملة الرؤساء؟

إن ترشّح المشير لانتخابات الرئاسة سيزيد الأمر تعقيدا، لأن الجيش يجب أن يكون مؤسسة تلتفّ حولها كافة فئات الشعب لا أن يُزجّ به في السياسة و يكون طرفا في النزاع و يصبح هدفا مشروعا في نظر بعضهم. هل فكّر المشير في كل الدماء التي تسيل في الاحتجاجات المطالبة بعودة الرئيس المعزول؟ هل سيوقفها ترشحه أم العكس؟ لقد قال عبد الفتاح السيسي يوما إنه مستعد أن يموت من أجل مصر وها نحن نرى الشعب هو الذي يموت. من أجل ماذا و من؟

و حين وعد المصريين بالأمن و الأمان و بغد أفضل في خطاب عزل مرسي، رأينا أنه لم يتحقق شيء من هذا على قصر المدة التي نتحدث عنها. فهل يريد أن يقنعنا أن الأمن سيستتبّ و هو رئيس بينما لم ينجح في مسعاه و هو وزير للدفاع في الحكومة الانتقالية؟ إن التوتر الأمني لا يشمل فقط المدن الكبرى كالقاهرة و الاسكندرية و المنصورة بل يتجلى أيضا فيما يحدث في سيناء من عمليات تتبناها ما يعرف بجماعة أنصار بيت المقدس كاستهداف للجنود المصريين و السواح الأجانب في بعض الأحيان. مثلما جرى في العملية الانتحارية التي استهدفت باصا يقلّ سواحا من كوريا الجنوبية في طابا. فأين هو الأمن الذي قال المشير إنه تدخل لفرضه و لحماية البلاد من الخطر الداخلي كما الخارجي؟

من الأمانة أن نعترف أن مصر لم تهدأ بعد 30 يونيو و هي قطعا لن تهدأ بعد إعلان السيسي ترشّحه و حالة الاحتقان التي كان سائدة أيام مرسي زادت حدتّها. وكيف يمكن لرئيس مصر المقبل الذي لا نشك في هويته مطلقا، أن يحكم شعبا و قد استعدى من خلال سياسة الإلغاء و القمع التي اتبعها و حكومته، نحو 40% او أكثر من هذا الشعب و هي النسبة التي تتمسك بمرسي و تطالب بعودته و عانت من بطش السلطة بسبب موقفها السياسي. إن رئيس مصر في مثل هذه الظروف المصيرية يجب ان يكون مصدر إجماع او على الأقل لا يثير أن هذا الكم من الغضب و الحقد في صفوف معارضيه.

من سخرية القدر أن المشير السيسي أعلن ترشحه بعد يوم واحد فقط من توديع الإسبان للسيد ألفريدو سواريس رئيس أوّل حكومة ديموقراطية تعرفها إسبانيا، بعد سقوط الدكتاتورية بموت الجنرال فرانكو عام 1975. السيد سواريز يدين له الإسبان بوضع بلادهم على طريق الديموقراطية و هو الذي كان وزيرا في حكومة فرانكو.

لكنْ بعد موت الدكتاتور و صعود الملك خوان كارلوس على العرش، عيّنه الأخير رئيسا للوزراء ما بين 1976 و 1981. و أوكلت له مهمّة قيادة الفترة الانتقالية بعد 40 سنة من الدكتاتورية و الحروب.و قد كانت مرحلة صعبة و حرجة بدأت فيها البلاد تشقّ طريقها نحو الديموقراطية.

و بالفعل، كان السيد سواريز في مستوى المسؤولية، فأطلق الحريات و أفرج عن السجناء السياسيين و سمح بالتعددية الحزبية و كان مهندس المصالحة التي شهدتها إسبانيا . كان يمكن لمن كان عضوا في حكومة ديكتاتورية أن يستغل فرصة تعيين الملك له رئيسا لحكومة انتقالية لينقلب عليه و ينصّب نفسه حاكما مطلقا. لكنه آثر مصلحة البلاد على مصلحته الخاصة و لم تأخذه شهوة السلطة فدخل التاريخ من أوسع أبوابه.

و مثلما وحّد الإسبان في حياته فإن السيد ألفريدو سواريس وحّدهم أيضا في مماته لأن اسبانيا كلها بكَتْه و مشى في جنازته المهيبة جموع غفيرة من المواطنين يتقدمهم رجال السياسة على اختلاف انتماءاتهم و اتجاهاتهم. و قد أوصى السيد سواريز أن يُكتب على قبره العبارة التالية " إن المصالحة ممكنة و قد تحققت". كان يمكن للسيسي و على غرار سواريز أن يدخل التاريخ من أوسع أبوابه أيضا و أن يثبت ان تدخّله في 30 يونيو كان من اجل الوطن. لأن الرئيس المعزول محمد مرسي ارتكب أخطاء قاتلة تجعلنا نتساءل عن مدى أهليته لهذا المنصب.

كان الأحرى بالمشير أن يبتعد عن السياسة و غرورها و يظل حارسا أمينا لمصر و شعبها. لكنه يبدو أنه استسلم لبريق السلطة و للإغراءات المالية التي قدمتها دول كالإمارات و السعودية لمجرد أن لهما ما يشبه الفوبيا من جماعة الإخوان المسلمين لما تشكله من تهديد لنظام الحكم القائم في البلدين. لكن يجب ن نعرف أن المال لا يشتري الأمن أبدا و لا يشتري السلم الأهلي و لو فعل فإلى حين.

أمام المشير المرشح لرئاسة مصر مثلان من التاريخ: مثَلُ السيد سواريس السابق ذكره، و مثل الرئيس الباكستاني المعزول الجنرال برويز مشرف. و ليعذرني القارئ على هذا الاستطراد و الإطالة لكن الأمر يستحق ذلك. فقد قاد مشرف عام 1999انقلابا ضد حكومة منتخبة بزعامة نواز شريف بحجة أن الأخير كان يخطط لاغتياله بإسقاط الطائرة التي كان على متنها. و نجح الانقلاب بقيادة الجنرال الذي كان هو الآخر قائدا للجيش و وضع شريف في السجن و تم الحكم عليه بالإعدام بتهمة الخيانة قبل أن تتحول العقوبة الى السجن المؤبد ثم النفي الى السعودية.

وعطّل مشرّف الدستور و فرض حالة الطوارئ و نظم انتخابات فاز فيها و استأثر بكل الصلاحيات التنفيذية كرئيس بعد أن كان منصب الرئاسة شرفيا. و نُظمت له حملة علاقات عامة لدى الغرب الذي حاول تجميل صورته كرجل المرحلة في باكستان و نسي الغرب المنافق كعادته الانقلاب الذي قام به مشرف لأنه كان في حاجة لخدماته خصوصا في الحرب على ما يسمى الارهاب التي شنها جورج بوش بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

لكن ما الذي حدث بعد ذلك؟ لقد أُطيح برجل إسلام أباد القوي بسبب سياسته و القمع الذي مارسه و اتهامه بالوقوف وراء اغتيال زعيمة حزب الشعب بيناظير بوتو. و كان عزْلُه لرئيس المحكمة العليا افتخار تشودري المسمار الأخير في نعش حكمه، حيث خرجت المظاهرات تطالب بتنحي الجنرال الذي أصبح رئيسا إلى ان رضخ و تخلى عن الحكم. و ها هو اليوم يدان بتهمة الخيانة العظمى و هي تهمة تصل عقوبتها إلى الاعدام.

إنها ليست مقارنة بين المشير السيسي و الجنرال مشرف بقدر ما هي دعوة لأخذ العبرة من التاريخ و ما أكثر دروسه. فقد تنفع وقفة صادقة مع النفس بعيدا عن المطبّلين و المنتفعين و القوى الاقليمية و الدولية التي لا تريد أبدا لمصر أن تسترجع دورها في قيادة الأمة لأن مصر القوية مستقلة الإرادة و المعتمدة على مواردها و شعبها تهديد لتلك القوى. فهم يريدونها دائما طرفا في معادلة المحاور و أداة في يد الكبار و رهينة المعونات الأجنبية و الهبات التي لم و لن تكون أبدا دون ثمن. مصر أكبر من الجميع و أهمّ من الجميع. قدَرُها أن تقود الأمة. لكن، لا يمكن لها هذا ونظامها مشكوك في شرعيته و شعبها منقسم على نفسه و أمنها مهدّد من الداخل و الخارج.

سامية مباركي