كان من الطبيعي أن تتعالى أصوات تندّد بسعي الرئيس المرشح إلى عهدة أخرى نظرا لوضعه الصحي الذي تلى إصابته بجلطة دماغية العام الماضي، أبعدته عن الوطن و أهله و شؤونه لمدة فاقت 80 يوما. تلتها بعد عودته فترة نقاهة لا تزال مستمرة و تتميز بحدّ ملحوظ من مهامّه الرئاسية التي يخوّله إيّاها الدستور و يوجبها عليه، ما جعل وسائل الإعلام الأجنبية و الفرنسية منها خاصة تتندّر على الرئيس المريض في برامجها بل و تحسب له عدد حركاته.

و كان من المتوقع ايضا أن تتعالى أصوات اخرى مقابلة تنادي بالاستمرارية من أجل الاستقرار و السلم الأهلي الذي تحقق برأيهم على يد بوتفليقة صاحب "الوئام المدني و المصالحة". يريدون لرئيسهم أن يبقى، لأن البديل بنظرهم غير موجود و لأن المرشحين الآخرين لا يرقوْن إلى قامة بوتفليقة الذي يقولون عنه أيضا إنه أعاد الجزائر الي المسرح الدولي بعد سنوات العنف الاعمى و إنه صاحب المشاريع الكبرى من سكن و بنى تحتية أو هكذا يظنون.

ناهيك عن أن المنادين ببقاء بوتفليقة ينظرون ما يجري حولهم في دول الجوار من فوضى و عدم استقرار و قتل و تدمير فيقولون إن إبقاء الوضع على ما هو عليه هو الأضمن عملا بالمثل المصري نصف العمى و لا العمى كلّه!

السؤال الذي نطرحه هنا في هذا المقام هو التالي: هل المشكلة فعلا في الترشح لولاية رابعة أو في الاتهامات بالتزوير التي أصبحت خبزا موسميا يتناوله الشعب في كل استحقاق انتخابي؟

إن المشكلة ليست في عدد الولايات الرئاسية أو الاتّهام بالتزوير بقدر ما هي في منظومة البلد برمّتها، وحين نقول المنظومة فإننا نعني بها الدولة و المجتمع أيضا.

إن الجميع يعرف بأن الفائز بوتفليقة، وأكاد أجزم أنه لن يفوز بالتزوير، و إن كان الوصول إلى الهدف بالطريقة المذكورة ليس مستحيلا. إن فوز الرئيس المرشح يعود لأن شريحة واسعة من الناخبين تريده رئيسا للأسباب السالف ذكرها.

و الأهمّ من ذلك كلّه، الوضعية المالية للجزائر بفضل ارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية ما جعل البلاد تملأ خزائنها. فبدأت الدولة توزع شيئا من هذا المال على بعض من الشعب. فكيف إذا لا يريد استمرار بوتفليقة في الحكم؟

لقد بثّت إحدى القنوات المحلية تصريحا لسيّدة قالت فيه: "بوتفليقة أو لا أحد، إنه والدنا أعطانا كل شيء". بل إن منهم من قال إنه "مستعدّ لانتخاب بوتفليقة و لو كانت صورته فقط هي التي توجد في قصر الرئاسة". و قال آخر إنه "مستعدّ لاتّباع الرئيس المرشح و لو دخل القبر!" و من هؤلاء الكثير في هذا البلد. و مع الأسف هم من يُسمع لهم صوت، لا من يلهث وراء لقمة عيشه هذا إن وجدها أو لا يجد مكانا يسكنه. و هؤلاء آلوْا على أنفسهم ألا يطؤوا أي مكتب اقتراع و لو كان "تحت بيتهم".

إن البلد تتهدّده أخطار و مطامع من كل جانب، داخليا و خارجيا. لكن يبدو أن الجميع لا يعي ولا يدرك خطورة الظرف إما عن جهل و إما عن مصلحة شخصية آنية. فمن يصرّ على الترشح، و هو أعلم الناس بحالته الصحية و بأنه يستحيل أن يباشر عمله كما يجب، يعلم جيدا بأنه جزء من مشهد غير سويّ وأنه لن يجد من يحاسبه على الوعود التي قُطعت و لم تُنجز ولا على جعل سمعة بلد المليون شهيد تلوكها الألسن و الأقلام.

إن العيب ليس في الإعاقة الحركية و لا في أن يجد الإنسان نفسه على كرسيّ متحرك لأن هذا لن يثنيه عن أداء مهمته و لنا أمثلة في الواقع و في التاريخ المعاصر.

فقد كان آيزنهاور رئيسا لأمريكا و هو على كرسي متحرك. و ها هو وزير مالية ألمانيا فولف غانغ شاوبل يتنقل على كرسي متحرك ايضا و هو يدير أمور أول قوة اقتصادية في أوروبا و ترتعد له فرائص دول مفلسة كاليونان أو على حافة الإفلاس مثل إسبانيا و إيطاليا.

لكن، أن لا يرى الشعبُ رئيسَه إلا فيما ندر ولا يسمعه يخطب ليطلعه على شؤون البلاد و العباد، ولا يراه يمثله في المنتديات العربية و الدولية و نلحظ أن الجميع قد وطّن نفسه على تقبّل هذا الوضع، فإن الأمر يدعو فعلا للدهشة و الاستغراب و يجعلنا نستنتج أن الأمر يتعدى مسألة ولاية رئاسية.

لقد تميزت فترة حكم بوتفليقة منذ عام 2000 إلى اليوم بتفشّ صارخ لآفة الفساد. إلى درجة تفتّق القريحة اللغوية لبعضهم فسمى الرشوة "قهوة" ليريح ضميره من عبء جريمة يعاقب عليها الدين قبل القانون. و الجميع يعلم ما كان يتمتّع به الدين في الجزائر من مكانة. لقد كان أحد أسلحة الشعب التي واجه بها الاستعمار حين حاول أن يسلخه عن أمته و دينه و لغته.

هذا الفساد إذا، طال جميع مفاصل الدولة و على كل المستويات و بدأت موبقاته في الظهور. إبتداء من فضيحة المؤسسة الوطنية للمحروقات سوناطراك والتي لا تزال خيوطها متشابكة الى حد الآن و هروب أحد أهمّ المتهمين و هو وزير الطاقة الأسبق شكيب خليل إلى أمريكا و فشلت السلطة إلى الآن في جلبه لمحاكمته.

و من سوناطراك إلى فضيحة الطريق السريع الرابط بين شرق الجزائر و غربها بمسافة 1200كم و الذي حسب التقديرات الرسمية كان سيكلّف 11 مليار دولار حسب الأرقام الرسمية لعام 2011 فيما قدّر الخبراء كلفته ب16 مليار دولارا حين الانتهاء التام منه ليكون بذلك أغلى طريق سريع في العالم. و قد تخللت هذا المشروع صفقات مشبوهة طالت شخصيات جزائرية و أجنبية أيضا.

مثل هذه الفضائح لم يكن ليوجد بهذا الشكل لولا الطفرة النفطية التي شهدتها البلاد في عهد الرئيس بوتفليقة. فقد كشفت الإحصائيات الرسمية أن الجزائر حققت من النفط في الفترة ما بين 1962 و 2013 إيرادات تقدر ب 1 تريليون دولار من بينها 800 مليار دخلت الخزينة ما بين سنة 2000 و 2013.

و إذا استثنينا ال200 مليار من احتياطي العملة الصعبة الموجودة حاليا في خزينة الدولة و تسديد ديون الجزائر الخارجية التي يحسب لبوتفليقة أنه سدّدها كلّها (قدرت ب40 مليارا عام 2000 بالإضافة إلى الفوائد) يحق لنا أن نسأل أين ذهب الجزء الأكبر من مبلغ 500 مليار دولار المحصّلة من ريع النفط؟

إن جزءا من تلك الأموال استُعمل لشراء السلم الأهلي و لتكميم الأفواه و هو نوع من أنواع "الرشوة". أصبح المال الوفير يبعثر يمينا و شمالا و على غير هدى. أحد الأمثلة هو العشرة ملايين دولار التي صرفت على دعم تذاكر مشجعين لحضور مباراة مصر-الجزائر أواخر 2009في أم درمان بالسودان في إطار نهائيات تصفيات كأس العالم 2010.

كيف صُرفت تلك الملايين و الشباب لا يجد عملا و لا مسكنا ولا ملاذ له إلا ركوب البحر على متن قوارب الموت؟

مثال آخر على هذه الظاهرة هو القروض الميسّرة التي مُنحت للشباب العاطل عن العمل حيث استُغلت الاغلبية الساحقة من تلك القروض في شراء السيارات تحت يافطة وكالات لتأجير السيارات. وباعتراف الحكومة الجزائرية نفسها بان 30% من تلك القروض لا يتم سدادها. فماذا لو فكّر النظام في إقامة مشاريع اقتصادية لخلق مناصب شغل للشباب بدل مسكنات آنية هدفها إسكات و شراء رضى المواطن (و ليس كل مواطن)؟

فهل يطمع أحد في تغيّر المشهد بولاية رابعة لبوتفليقة؟ و لمَ تغيير الوصفة مادام المال وفيرا و المنتفعون كثُر؟

إن الجميع في الجزائر نظاما و شعبا، بحاجة إلى لحظة من التجلّي يتخلّى فيها عن أنانيته و أفقه الضيق، و يدرك أن البلد فعلا مهدّد. مهدّد في لُحْمته الاجتماعية التي ظهرت بوادر تصدّعها من خلال يجرى في مدينة غرداية (جنوب البلاد) من أعمال عنف أُلبست ثوبا طائفيا حين استهدفت سكان المدينة الأمازيغ أتباع المذهب الإباضي فجرى إحراق المئات من بيوتهم و محلاتهم و الاعتداء عليهم حيث سُجل مقتل أكثر من 10 أشخاص في موجة العنف الأخيرة.

و جاء التحريض الخارجي ببث إحدى القنوات الفضائية العربية مؤخرا برنامجا تناول المذهب الإباضي قال المشاركون فيه إن أتباع المذهب المذكور من الخوارج و استحلوا دماءهم و استباحوا أعراض نسائهم!

لا ننسى في هذا المقام التهديد الخارجي والمتمثل في الخطر الرابض على الحدود الشرقية و الجنوبية. فليبيا مثلا، تحولت إلى مشروع دولة فاشلة و أصبحت مرتعا لأجهزة مخابرات القوى الكبرى و الصغرى و ساحة للجماعات المتشددة و العمليات الإرهابية العابرة للحدود. وإلى جانب ليبيا، هناك تونس حيث يعلم الجميع ما يجري في جبل الشعانبي المتاخم للحدود الجزائرية من هجمات و استهداف لقوات الأمن.

أما الحدود الجنوبية و أخصّ منها الحدود مع مالي، فكلنا يعلم ما جرى و يجري هناك خصوصا بعد التدخل العسكري الفرنسي في ذلك البلد الذي يعتبر العمق الاستراتيجي للجزائر، مع كل ما يعنيه هذا من خطر.

و من المؤسف أن انحسار نفوذ الدبلوماسية الجزائرية في دول الساحل إجمالا، أتاح الفرصة للجار المغربي أن يدخل الحديقة الخلفية لعملاق شمال إفريقيا، فيطلق المشاريع و يكوّن الأئمة ( 500 إمام مالي تكوّنوا في المعاهد المغربية) إضافة إلى الزيارات المتكررة لعاهل المغرب إلى مالي (زيارتان في 6أشهر) بينما لم يحدث و أن زار بوتفليقة مالي أو غيرها من دول الساحل و لو مرة واحدة طيلة سنوات حكمه ال15 عشرة.

رغم كل ما تقدّم، فإن الجزائر ليست بحاجة إلى ما اصطلح على تسميته زورا و بهتانا بالربيع العربي، لقد عانت الأمرّين خلال تسعينيات القرن الماضي فارتكبت المجازر و فُخخت السيارات و قُطعت الرؤوس و بُقرت البطون. ولا زالت ندوب تلك الفترة المؤلمة ظاهرة و مغروزة في وجدان الأمة و لا أحد يريد لها أن تعود.

لكن حتى لا تعود، يجب معالجة الأسباب التي أدّت إلى انفجار الوضع بالشكل الذي كان. نحن بحاجة إلى جمهورية ثانية نبنيها على أسس صحيحة فتكون الجزائر في مستوى نضالها و تضحيات شهدائها على مدى التاريخ. وهذه مسؤولبة يشترك فيها الجميع.

فمن الظلم أن نرسم طريقا مظلما لبلد زاخر بموارده الطبيعية و شبابه الذي يشكل أكثر من ثلاثة أرباع السكان. يجب أن نتّعظ مما جرى ويجري في الداخل و الخارج و ما هذا الخارج عنّا ببعيد! فهل من يسمع؟

 سامية مباركي