وكانت ضريبة الحرية مليونا ونصف مليون شهيد في سبع سنين فقط. ناهيك عن مئات الآلاف من الضحايا الذين سقطوا منذ أن وطئت جحافل فرنسا وسفنها أرض ومياه الجزائر في الخامس من تموز يوليو عام 1832. وانتصر الشعب الأعزل على القوة الأطلسية بالإرادة والإيمان بعدالة قضيته وبالدعم العربي الذي كانت مصرُ عبد الناصر رأس حربته.

الآن وبعد ستين عاما من هذه الملحمة الأسطورية التي مرّغت وجه فرنسا الاستعمارية في الوحل وهي لم تكد بعْدُ تستردّ وعْيها الذي أفقدها إياه ثوار ديان بيان فو في المعركة التي شهدتها ذات السنة وكانت إيذانا بانتهاء عهد الوجود الفرنسي في الهند الصينية، بعد كل هذا العطاء وبعد أكثر من 52 عاما من الاستقلال، كيف يحلّ عيد الثورة الستون على الجزائر وشعبها؟

التهديدات والأخطار الاقليمية تحلّ الذكرى والبلاد تعيش ظرفا دقيقا على المستوى الخارجي. فرأس الدولة شبه غائب بسبب ظروفه الصحية وأصبحت وسيلة التواصل بينه وبين الشعب تتم بالمراسلة!

حيث أن العلاقة الوحيدة التي تربط الحاكم بمحكوميه هو تلك الرسائل التي ترِدُ في نشرات الثامنة أو بعض الصور الشحيحة التي يمنّ بها التلفزيون الرسمي على الناس حين يبثّ لقطات قصيرة عن الرئيس الذي التقى قائد الأركان أو هذا المسؤول الأجنبي أو ذاك. ما أدى إلى تعالي بعض الأصوات داخل الطبقة السياسية تنديدا بما أسموه الشغور الرئاسي.

وفي ظل الأخطار التي تتربص بالبلد، اكتسى هذا الوضع الشاذّ أهمية حيوية لأن الوضع الإقليمي يستدعي وجود حاكم حاضر في كل محفل وفي كل حدث يخاطب شعبه وناخبيه.

فإذا نظرنا جنوبا، وتحديدا إلى دولة مالي المجاورة، نجد أن الاستقرار الذي سوّقه لنا الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند بتدخله العسكري هناك لا يزال غائبا برغم الانتخابات التي نُظمت بمباركة اقليمية ودولية وبرغم جهود الوساطة التي تبذلها الجزائر باحتضانها اجتماعات الفرقاء السياسيين الماليين أملا في التوصل إلى حل.

وقد زادت الأمور سوء في الآونة الأخيرة حين شهدت المنطقة المتاخمة للحدود مع الجزائر (30كم) معارك بين الطوارق والعرب ما يثير الخشية من انتقال العدوى إلى الجنوب الجزائري نظرا للتداخل الجغرافي والإثني في تلك المنطقة.

أمّا ليبيا، تلك الجارة الشرقية التي تتقاسم مع الجزائر أكثر من 900كم من الحدود فحدّث عن الفوضى فيها ولا حرج. وماكان للأخيرة إلا أن تتضرر من عدم وجود سلطة مركزية ليبية تضبط الحدود و تمنع تهريب السلاح وانتقال الجماعات الارهابية مع كل ما يعنيه هذا من خطر على البلد.

من لا يتذكر مثلا، حادثة قصف طائرات حربية مجهولة مواقع في العاصمة الليبية طرابلس دعما للواء خليفة حفتر ومحاولة البعض إلصاق التهمة بالجزائر بعد أن وُجّهت أصابع الاتهام الغربية إلى دولة الإمارات عبر الأراضي والأجواء المصرية. وكأنّ ثمة من يحاول أن يجرّ "رِجْلَ" الجزائر إلى صراع خليجي عثماني على أرض مشاع اسمها ليبيا!

ورغم نفي الجيش الجزائري أية علاقة له بما جرى خصوصا وأن دستور البلاد يمنعه من القيام بأي عملية خارج حدوده، فإن تلك الحادثة زادت من الشعور بغياب من يقود السفينة وإن على مستوى الشكل، في زمن التكالب على خيرات الوطن العربي وشعوبه على يد القوى العظمى وأذرعها التكفيرية.

ذكرى الثورة الستون والوضع الداخلي ستون عاما مرت ولا تزال الجزائر تضمّد جراحها الغائرة التي سببتها سنوات التفرد بالحكم وسوء الإدارة وآفة الإرهاب الأعمى أكان على المستوى الاجتماعي أو الاقتصادي.

فلا يكاد يمر يوم دون حركات احتجاجية تشل قطاعات حيوية في البلاد. وأبرز مثال على ذلك، الإضرابات المتكررة لقطاع التربية والتعليم والاعتصامات التي نظمتها قوات الشرطة مؤخرا أمام مقر رئاسة الوزراء في سابقة خطيرة من نوعها.

وعلى الرغم من الخيرات التي حُبِيَت الجزائر بها وبسبب التوزيع غير العادل للثروة، فقد استبدّ الشعور بالغُبن بشرائح واسعة من المجتمع نظرا للفساد المستشري الذي جعل البلد تحتل المرتبة ال94 من أصل 177 دولة بحسب تقرير لمنظمة الشفافية الدولية لعام 2013.

فأين نحن من تلك القيم التي قامت عليها الثورة الخالدة؟ حين وضع الثوار أرواحهم على أكفّهم ولم يرضوا غير الحرية بديلا، مهما كلفهم ذلك. فقد كان لسان حالهم يقول نريد استقلال الوطن ونسعى اليه ولو اضطررنا بعد ذلك إلى أن نقتات على الخبز والماء. لقد اصبحت الشرعية الثورية مطيّة لكل فعل، أكان حسنا او سيئا. وباسم الثورة يستأثرون بالحكم. وباسم الثورة أصبح البعض يطالب بحقوقه بدل ان يكون باسم المواطنة.

فنلاحظ مثلا وجود ما يسمى بمنظمة أبناء المجاهدين على غرار منظمة أبناء الشهداء الذين تكفلت الدولة بهم بعد الاستقلال واستشهاد ذويهم. وحسنا فعلت آنذاك.

إن من له حق، يجب أن يحصل عليه، أكان ابن مجاهد أو غيره خصوصا وأن الدولة وفرت لمجاهدي الثورة التحريرية مخصصات تضمن لمعظمهم العيش الكريم. وما أولادهم إلا مواطنون لهم حقوق كغيرهم في كنف دولة الحق والقانون التي ننشدها في بلادنا العربية كلها.

إن الجزائر بحاجة لمن يعيد إشعال جذوة نوفمبر من جديد، ليكون الحاضر والمستقبل بمستوى تضحيات الماضي في سبيل الحرية.

لا ينبغي أن يُنْظَر لبلد المليون ونصف مليون شهيد على أنه بقرة حلوب تعطي ولا تأخذ. لأن النفط ثروة زائلة، طال الزمن أو قصُر. فما عساهم فاعلون حينئذ، أولئك الذين يرفلون في نعيمه وينسون أن عليهم واجبات أيضا؟ وفي هذا، الجميع مسؤول أمام التاريخ وأمام الاجيال القادمة.

على اهل الحكم أن يستخلصوا العبر من اخطاء الماضي وما مرّ على البلد من مصائب ليردوا الحقوق لأصحابها ويستثمروا في بناء الانسان لا أن يشتروا سكوت الشعب بدراهم معدودة. كما أنه على هذا الشعب مسؤولية كبرى، أن يتعلم هو الآخر من أخطاء الماضي فيشمّر على سواعده لا أن ينتظر مائدة تنزل من السماء. فلقد ولّى زمن المعجزات.