"من الموسكي لسوق الحميدية"

دون الخوض في أسباب ومآلات ما يحدث في مصر وسوريا. نتوقف عند هجوم سيناء وتفجير سوق الحميدية تحديدا وما الذي يربط الحادثتين الارهابيتين؟.

فعند ورود خبر مكان استهداف جبهة النصرة لقافلة الزوار اللبنانيين إلى مقام السيدة زينب، خطرت في البال أغنية للراحلة صباح "من الموسكي لسوق الحميدية" والتي تقول كلماتها:

"من الموسكي لسوق الحميدية **أنا عـارفة السكة لوحديّه **كلّها أفراح و ليـالي ملاح وحبايب مصر يا سورية ** بأمان و سلام و بشوق وغرام **ح نغنـي نشيد الحرية **أنا عارفة السكة لوحديّه".

الأغنية يعود تاريخها لعام 1958. أرادت من خلالها الشحرورة (ومعها الشاعر مرسي جميل عزيز والموسيقار فريد الأطرش) أن يحتفوا بالوحدة بين مصر وسوريا، بكلمات كلّها أمل وتغنّ بالحرية والأمان والسلام. أي كلّ ما يعوز سوريا ومصر تحديدا، وعلى سبيل المثال لا الحصر.

فكما "طارت" الوحدة وحدث الانفصال عام 1961، عزّ الأمن والسلام والحرية في هاذين البلدين. وكأنّ لسان حالنا يقول: "من سيناء لسوق الحميدية الهمّ واحد والدم واحد".

أنصار بيت المقدس وجبهة النصرة

كما تربض جماعة أنصار بين المقدس في سيناء ولا علاقة لها ببيت المقدس وتُهادن من يحتلّ بيت المقدس، ترابط جبهة النصرة في الجولان ولاعلاقة لها بمن يحتل الجولان. اللهمّ إلاعلاقة حسن الجوار مع ذلك المحتل الغاصب.

لمصلحة من يتمّ استهداف الجيش المصري وقتل عشرات الجنود المصريين في سيناء؟ هل هذه هي الطريقة المثلى لمعارضة النظام؟ هل قتْلُ هؤلاء الجنود، سيحمل الرئيس عبد الفتاح السيسي على الاستقالة؟ وهل سيعيد الحقوق لمن ظُلم من الشعب المصري بكافة أطيافه؟ لماذا لم نسمع يوما باقتراب جماعة أنصار بيت المقدس من طابا مثلا أو ما وراء طابا؟

أين أنصار بين المقدس من بيت المقدس وفلسطين وقطاع غزة؟

وبما أن الجماعة تسمّي نفسها تيمنّا ببيت المقدس أي بفلسطين، فهل بهجومها ذاك قد خدمت القضية؟ إن كل عمليات أنصار البيت المقدس منذ بدأت، قد عادت بالويل والثبور على قطاع غزة من تشديد للخناق على الشعب المحاصر من كل الجهات. فمعبر رفح مثلا لم يُفتح إلا 3 أيام منذ أكتوبر تشرين الأول الماضي وبالتأكيد سيظل مقفلا وقتا طويلا بعد هجوم سيناء.

وإلى جانب عقوبة الإغلاق، يوجّه نظام الحكم في مصر أصابع الاتهام إلى حركة حماس بالوقوف وراء ما يجري في سيناء مع أنه لم يثبت حتى الآن بالدليل القاطع تورّطُ الحركة في هذه الهجمات.

وقد رأينا كيف صدر الحكم بوضع كتائب القسام الجناح العسكري لحماس على قائمة المنظمات الإرهابية بعد يوم واحد فقط من الهجوم على الجيش المصري. فمن المستفيد من حصار غزة وتخوين فئة عريضة من الشعب الفلسطيني؟

تفجير سوق الحميدية وحزب الله

أما بخصوص تفجير سوق الحميدية، فنسأل: لماذا يُستهدف زوّارٌ عُزّل قصدوا مقام حفيدة رسول الله؟ ألأن جبهة النصرة غير قادرة على هزيمة حزب الله في ساحات القتال؟ "فتشطّرت" على مدنيين قد يكون منهم من يعارض وجود الحزب في سوريا. أم أن الحليف الميداني والاستراتيجي لا يستطيع المواجهة بعد عملية شبعا وتهديد أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله في خطابه الأخير، فقرر أن ينتدب جبهة النصرة لهذه المهمّة؟

وهل تظنّ الأخيرة فعلا أنها تضغط على الحزب باستهداف تلك الحافلة فيخرج من سوريا وينفرط عقد التحالف بينه وبين النظام في دمشق؟ ألم تجرّب جبهة النصرة عبثاً، ليّ ذراع حزب الله عبر حادثة مخطوفي أعزاز قبل أكثر من عام حين اشترطت خروج مقاتليه من سوريا مقابل الإفراج عن الزوّار الشيعة؟ فماذا كانت النتيجة؟

لم يخرج عناصر حزب الله من سوريا وتم الافراج عن الزوّار الذين كان منهم مرضى وكبار في السنّ مقابل إفراج لبنان عن عناصر للجبهة. ثم ما الذي يحققه التفجير للمعارضين للحكومة السورية والرئيس بشار الأسد سياسيا وميدانيا؟

لا يمكن لعاقل أن يصدق أن جماعة أنصار بيت المقدس وجبهة النصرة تريدان الخير لأهل مصر وسوريا. فسجلّهما حافل بغير ذلك. كما أننا أمام تقاطع غريب لمصالح هاتين الجماعتين ومصالح إسرائيل أكان بقصد او بغير قصد.

ومهما تعدّدت التسميات فإن التحدّي واحد والخطر واحد والمستفيد واحد وطريق الخلاص أيضا واحد. وكما غنت الصبّوحة: "من الموسكي لسوق الحميدية...أنا عارفة السكّة لوحديه.." ولا "سكّة" نعرفها إلا "سكة" رصّ الصفوف وبناء الأوطان بوجه من يتربص بها شرّا.